هنالك دول تنجح وتزدهر وأخرى تفشل، ليست الأسباب قضاء وقدرا أو مصائب كبرى لا تمكن مواجهتها، وإنما قرارات سيئة متراكمة اتخذتها تلك الدول عبر استفتاءات أو قوانين أو إجراءات معينة أضرت بالدولة واقتصادها. المثال الأفضل الأخير فهو «البريكسيت» الذي، إذا نُفِّذ، سيقسم بريطانيا ويضعف اقتصادها ويسيء إلى مصالح شعبها. هل أسباب «البريكسيت» سياسية فقط، أم هنالك أسباب اقتصادية، حيث لم يتعمم النمو على كافة طبقات الشعب والمناطق؟ ربما الاثنان معا وعلى البريطانيين تحديد المسؤوليات وليس وضع الملامة فقط على «كاميرون» و«كوربين». هنالك تردد في التنفيذ من ناحية البريطانيين بعد الوعي المتأخر لقرار الخروج مما يفسر تأجيل تقديم طلب رسمي لترك الوحدة الأوروبية. من ناحية أخرى، هنالك إصرار أوروبي على بدء عملية الانفصال حتى تخف تقلبات الأسواق ويعود الجميع إلى ممارسة الأعمال العادية تخفيفا للخسائر ومحاولة لدعم النمو. هنالك مثال آخر هو إسبانيا التي كانت قوية اقتصاديا لعقود، لكن فشلها مؤخرا في تشكيل حكومة جديدة منذ بضعة أشهر سيؤخرها اقتصاديا ويقلل من نسبة النمو ويرفع البطالة. أيضا قرارات خاطئة متراكمة اتخذت على مدى سنوات قبل وبعد أزمة 2008 تعطي اليوم نتائج سلبية خطيرة. هنالك أيضا مطالبة بالتقسيم أو الاستقلال من بعض المكونات العرقية، ربما تدفع إسبانيا إلى نفس المصير البريطاني. من ناحية أخرى، هنالك دول كأيسلندا وأيرلندا أحسنت اختيار القرار الاقتصادي بعد أزمة 2008، وها هي تعود إلى النمو والازدهار. تشير هذه الأمثلة إلى أهمية نوعية القيادة الوطنية للدولة بالإضافة إلى محتوى القرارات من ناحيتي التوقيت وسهولة التطبيق. باختصار، قبل سنة 2008، كان العالم ينعم لعقود بنمو قوي لم يعرف مثله في التاريخ الحديث. لكن النجاح لم يستمر ليس بسبب الصدفة، بل بسبب القرارات الوطنية والدولية الخاطئة التي أنتجت بطالة مرتفعة وفجوات خطيرة بين الميسورين والفقراء، كما سببت إلى حد بعيد التشنج العمالي والاجتماعي الحاصل دوليا. سببت هذه القرارات أيضا فترات طويلة من الجمود التي نساها العالم وعاد ليعيش معها ولا يعرف كيف يتخلص منها. أما «الربيع العربي»، فنتج عن عقود من الظلم والفقر وسوء الممارسة الرسمية وبالتالي حاول الشعب التغيير لكن النتائج لم تكن بمستوى الطموح. الأسباب عديدة وتختلف من دولة إلى أخرى، لكن لا يمكننا القول إن الأوضاع الاقتصادية في الدول التي عرفت «ربيعا» تحسنت إنما العكس صحيح في معظمها. من مظاهر فشل أو نجاح الدول هي الهجرة، حيث يرغب المواطن في ترك الدولة التي لا تقدم له الحقوق والخدمات البديهية ويهاجر إلى تلك التي تحترم حقوقه. المخاطرة في مغادرة بعض دول المنطقة ربما تدعو للعجب، لأنها مغادرة نحو المجهول عبر وسائل نقل خطرة وغير إنسانية، لكنها تعبر عن يأس بعض المواطنين من نتائج «الربيع» وفقدانهم أي أمل في التحسن. ربما هذا الشعور خاطئ أو غير مبرر، لكنه موجود وواضح عبر الأعداد الكبيرة التي تهرب من المنطقة وتفقد في البحار أولادها وأفراد عائلاتها. أيا كانت أسباب هذا الشعور، هنالك إهمال واضح لحقوق المواطن ولمعالجة الأسباب التي دفعته إلى الهجرة بهذه الشروط. ما يدعو للعجب أن المجتمع الدولي يعالج نتائج المشكلة وليس أسبابها، عليه مساعدة شعوب المنطقة على تحسين أوضاعها كي لا تهاجر وبالتالي معالجة جذور المشكلة.