الاستفتاء وراتب «الكسل»!

قبل الاستفتاء البريطاني بأيام بالخروج من الاتحاد الأوروبي كان هناك استفتاء آخر وبنكهة أخرى جرى في سويسرا يقضي بمنح كل سويسري وأجنبي مقيم هناك، سواء كان يعمل أو عاطلا عن العمل راتبا شهريا قدره 2500 فرنك سويسري أو 2500 دولار و700 دولار لكل قاصر، وذلك دون مقابل ودون أي عمل يذكر، مما حدا بالسويسريين إلى إطلاق «راتب الكسل» على المبلغ المقترح. هذا المشروع الفريد من نوعه في العالم والذي رفضه السويسريون في الاستفتاء العام بنسبة كبيرة بلغت 78% تقدمت به مجموعة ترى أن البلد يملك ثروة كبيرة لابد من توزيعها على الأفراد. وإلى جانب المواطن العادي وقفت الحكومة ومعظم الأحزاب ضد الاقتراح، مما ينم عن شعور كبير بالمسؤولية تجاه الوطن وتغليب المصلحة العامة على المنفعة الشخصية والتي ستكون لها عواقب سلبية على الاقتصاد المحلي مستقبلا، إذ لو فاز مقدمو الاقتراح لكلف ذلك ميزانية الدولة 25 مليار فرنك، أي 25 مليار دولار سنويا، مما قد يضطر الدولة إلى سن رسوم وضرائب جديدة ستكون لها تداعيات سلبية على الاقتصاد، وبالأخص على قدرة سويسرا التنافسية وكذلك في قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. ومن ثم سترتفع تكاليف المعيشة وسيفقد عشرات الآلآف وظائفهم وستتراجع المكانة الاقتصادية لسويسرا، باعتبارها مركزا عالميا للاستثمارات وإدارة الأصول، تلك النظرة بعيدة المدى لم يستحضرها البريطانيون عندما صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ غلبت عليهم الأهواء الشخصية، وبالأخص تلك المتعلقة بالهجرة وسوق العمل وحرية التنقل. يذكر أنه سبق للشعب السويسري أن رفض في استفتاء عام أيضا في سنة 2012 زيادة الإجازة السنوية من أربعة إلى ستة أسابيع خوفا من تراجع قدرة بلادهم التنافسية، حيث سيؤدي ذلك إلى تقليل أيام العمل وانخفاض الإنتاجية، في بلد معروف عنه النشاط وتقديس قيمة العمل، حيث يمكننا هنا التنويه بموقف الشعب الخليجي الإيجابي الذي تقبل زيادة أسعار الطاقة، بما فيها البنزين من منطلق المصلحة الوطنية للمحافظة على الموارد الطبيعية وتدعيم التنمية المستدامة. هذه أحد أهم أسباب النجاح والتمتع بمستويات معيشية مرتفعة والتي تميز سويسرا والتي تشير إليها الدراسات والبحوث باعتبارها نموذجا تنمويا فريدا، إذ لا يقتصر الأمر هنا على ما يتخذ من قرارات، وإنما هناك تفهم وتضامن شعبي للمصلحة العامة وللمحافظة على مكانة البلد الاقتصادية، وذلك على عكس الاستفتاءات التي تدعو إليها بعض الأحزاب الأوروبية، سواء لتحقيق مكاسب آنية أو للخروج من الاتحاد الأوروبي. وهنا أيضا تجب الإشارة إلى التجربة السويسرية، إذ رغم أنها ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ترتبط باتفاقيات ثنائية مهمة مع الاتحاد تشمل منطقة للتجارة الحرة وحرية التنقل ضمن نظام «الشنغن»، كما أنها تطبق العديد من القوانين الأوروبية لتتماشى مع محيطها الذي تعتمد عليه في الكثير من القضايا وترتبط به بمصالح جوهرية. في السابق كان من السهل حماية القدرات التنافسية من خلال الرسوم الجمركية المرتفعة والضرائب العالية، أما في العصر الراهن، فقد أزيلت معظم الحواجز، كما أن الرسوم الجمركية المرتفعة أضحت لها انعكاسات سلبية على التجارة، وذلك بعد تحرير معظم التجارة الدولية والانفتاح غير المسبوق للأسواق على بعضها البعض، مما يتطلب إعادة صياغة التوجهات ليس من خلال استفتاءات تفتح المجال أمام اتخاذ قرارات مصيرية من قبل أفراد ليسوا على اطلاع بتفاصيل ما سيصوتون عليه، كما أقر بذلك ملايين البريطانيين الذين صوتوا لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن شاهدوا التداعيات السلبية التي ما زالت تتوالى وتلحق ضررا بالغا بالاقتصاد البريطاني وبمكانة بريطانيا الاقتصادية والإستراتيجية، في حين تمكن السويسريون من حفظ مكانة بلادهم بوعي ونكران ذات وحرص شديد، وهو موقف يستحق الإعجاب والتقدير.