أصدر زعيم القبيلة قبل 100 عام أمرا إلى عموم أبناء منطقتنا، بالتوقف عن ممارسة ذبح الأغنام والابقار والإبل، والانشغال بها في أيام عيد الفطر المبارك والتي كانت تعتبر تقليدا أساسيا ضمن احتفاليات العيد جريا على سنة الأضحيات في عيد الحج الأكبر. وأراد هذا الشيخ من إصدار أوامره تحقيق جملة من الغايات منها: التخفيف على شريحة الفقراء والمعوزين الذين اضطرهم الحال إلى مجاراة الأغنياء والقيام بشراء اللحوم أو التضحية بالبعض مما استثمروه لبيعه في الأسواق فتحول رأس مال الاستثمار أو جزء منه إلى خسارة، فأصبحت هذه العادة تضغط على موازنة الفقراء وتقلق حياتهم وتؤثر على وضعهم النفسي وترهق تفكيرهم في أيام يفترض أن يشعروا فيها بالطمأنينة والفرح والبهجة وأن يحتفلوا مع المحتفلين بأيام العيد الذي ينثر البسمة والسعادة في الوجوه ... ثانيا أراد هذا الشيخ أن يمتنع الجميع أغنياء وفقراء عن اتباع هذه العادة بمبررات من بينها انها ليست مرتبطة تاريخيا واجتماعيا بالمناسبة وغير ملزمة دينيا، وهي في الوقت ذاته تشغل المحتفلين بالعيد عن اللقاءات والتجمع وزيارة الأرحام والمشاركة الجماعية في الفرح والبهجة، بمعنى الانصراف عن الغايات الجوهرية التي ترتبط بالعيد والالتفات أو الاشتغال بالذبح والشوي والقلي وحفظ اللحم وما شابهه وارتبط به . لذلك صيغت تعليمات الشيخ في قالب لا تشعر الفقراء بأنهم المقصودون بها وبأنه أي - المنع - جاء من منطلق العطف عليهم وهو ما قد يعرضهم إلى الإهانة أمام أبنائهم وأسرهم والمجتمع الذين يعيشون فيه، مع أنه كان الدافع الأساسي للمنع الكلي، وإلا فقد أمكنه - أي هذا الشيخ الحكيم - أن يلزم الفئة المقتدرة بتوزيع جزء من تلك اللحوم على المحتاجين مع استمرار العادة، ولكن تركيبة المجتمع القبلي التي يدركها هذا الزعيم وثقافة الأنفة والاعتزاز بالنفس والاباء المتجذرة سوف تسقط هذا الخيار فرأى لإنجاح الغاية أن تشمل الأوامر الجميع. ثالثا : إدراك هذا الشيخ أن مثل هذه المناسبات التي أرهقت الناس ماديا وألجأتهم إلى الاستدانة أو بيع ورهن جزء مما يشكل لهم دخلا يفترض أن يوجه للأساسيات من متطلبات الحياة المعيشية، خرجت عن غاياتها ومعانيها الجميلة وتسببت في الحزن والهم بدلا من الفرحة والسعادة والشعور بقيمة ومعنى العيد الحقيقي. أخيرا: أراد أن يوجه رسالة اقتصادية مهمة في قيمة ودور المال وأهمية الادخار وترشيد الإنفاق والاستفادة من المناسبة في تعزيز قيم التواد والتلاحم والمساواة والترفيه عن النفس واسعادها بدلا من تقييدها بقيود القروض والهموم والمشاكل التي تجلب من المضار للأسرة والمجتمع الكثير على المدى البعيد . ومن المؤسف أنه وبعد مرور ما يزيد عن مئة عام على هذا الحدث، تناسى الناس أهداف وغايات الرسالة وخرجوا تدريجيا عن هذه الدعوة الحميدة التي أسسها شيخ القبيلة أو المنطقة، وأول من كسرها هم ذاتهم الذين أراد المنع التخفيف عنهم، فيما يزال العديد من المقتدرين ماديا يرون فيها منافع ومكاسب تشجعهم على عدم التفريط بها. لقد خرجت المناسبات الدينية أعيادا وشهر رمضان عن غاياتها الحقيقية وأصبحت مجالا خصبا للتبذير والاسراف خاصة في بلداننا العربية والخليجية، فيها تزدحم الأسواق بالمتبضعين وتمتلئ عربات التسوق بالسلع والمشتريات التي نحتاج لها من الضروريات، وما لا نحتاج إليها من الكماليات، وبلغ الإسراف مبلغا أن الجزء الأكبر من مخلفات الأكل يرمى في عبوات القمامة بشكل يومي، والمواطنون في دولنا يقترضون ويستدينون من البنوك من أجل شراء الملابس والأحذية والعطور والكماليات ذات الماركات عالية السعر من أجل المباهاة والتفاخر وجريا وراء ثقافة (ما فيش حد أفضل من حد)، والأسواق والمجمعات التجارية والماركات التي تبيع منتجاتها بأغلى الأثمان والمحلات والتجار يستثمرون هذه المناسبات اليوم أفضل استثمار لتجفيف جيوب المواطنين ودفعهم إلى الاستهلاك المبالغ فيه والاقتراض من البنوك ورفع الأسعار التي وصلت في بعض الدول إلى 100% وفقا لبعض التقارير الإعلامية، ولا أجد اليوم أفضل من موقف هذا الزعيم القبلي ورؤيته درسا للتوعية وتعزيز ثقافة الادخار وترشيد الانفاق والتذكير برسالة الإسلام وأهداف وغايات هذه المناسبات التي يشكل سلوك التبذير خروجا عنها دون شك .