لم نسمع صوت استغاثة لدفع المعاشات التقاعدية للمتقاعدين كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن العجز الاكتواري الذي تعاني منه بعض صناديق التقاعد، وأصبح يمثل مصدر قلق لكثير من الموظفين والمتقاعدين خوفا على مدخراتهم واستقرارهم المالي، وقد تحدث أكثر من مسؤول في صناديق التقاعد عن أن التقارير الاكتوارية تؤكد وجود عجز اكتواري في أموال تلك الصناديق، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات مناسبة لمنع حدوث مثل هذا العجز. فماذا يقصد بهذا العجز؟ وما هي أسبابه؟ العلم الاكتواري (Actuarial Science) هو علم خاص بخبراء التأمين الذين يقومون بحساب وتقييم المخاطر والالتزامات المالية لصندوق التقاعد على المديين القريب والبعيد. والعجز الاكتواري يعني أن الأصول المتاحة (والتي هي عبارة عن أقساط استقطاعات التقاعد والإيرادات الأخرى) المتوقعة للسنوات المقبلة في المؤسسة التقاعدية غير كافية لتغطية الالتزامات المالية (وأهمها المعاشات التقاعدية)، أي أن المصروفات المتوقعة للصندوق تكون أكبر من إيراداته المستقبلية مما يسبب عجزا افتراضيا. العجز الاكتواري لا يعني أبدا أن صندوق التقاعد المعني يمر بوضع مالي صعب وأنه ليست لديه سيولة مالية، أو أنه عاجز عن سداد التزاماته المالية الحالية، بل على العكس تماماً قد يكون هذا الصندوق لديه فوائض مالية ويتمتع بوضع مالي جيد. فالعجز الاكتواري هو نظرة مستقبلية وليست آنية، وقد سمعنا كثيراً في الآونة الأخيرة أن صندوق التقاعد أو التأمينات الاجتماعية بهما عجز اكتواري (وليس عجز مالي) ولم نسمع بصوت استغاثة من هاتين المؤسستين لدفع المعاشات التقاعدية للمتقاعدين، وهذا يدل على سلامة الوضع المالي لتلك المؤسستين. كما أنه قد يكون العجز الاكتواري مقبولا إذا ما كان في حدود المعقول، بحيث تكون نقطة التعادل المتوقعة بين الإيرادات والمصروفات بعيدة، كون الدراسة الاكتوارية مبنية على فرضيات. أما في حالة وجود عجز اكتواري كبير، بحيث تكون نقطة التعادل المتوقعة بين حجم الإيرادات وحجم المصروفات قريبة نسبيا، عندها يكون الوضع صعبا ولكن ليس بالضرورة أزمة فعلية. الدراسات الاكتوارية تعتمد على فرضيات وتقديرات كثيرة مثل تقديرات الاشتراكات والعمر الافتراضي ومعدلات الولادة وقوانين سوق العمل ونظام الرواتب والسلم الوظيفي وتوقعات الزيادة فيها وعوائد الاستثمار ونسب التضخم وغير ذلك. وعادة ما يتم إجراء مثل هذه الدراسة كل 3 إلى 5 سنوات وذلك لمقارنة هذه التوقعات مع الأرقام الفعلية خلال نفس الفترة. إن أهم الأسباب الجوهرية للعجز الاكتواري في الصناديق التقاعدية هي زيادة ظاهرة التقاعد المبكر والتي أصبحت ظاهرة في دول مجلس التعاون، وكذلك انخفاض في نسبة الاشتراكات، (وهذا مرتبط بالوضع الاقتصادي للدولة)، بالإضافة إلى سوء استخدام الموارد المتاحة، والفساد المالي وهذا أمر محتمل حتى في المجتمعات الديمقراطية مما يتطلب وجود مراقبة فعلية على عمل صناديق التقاعد لضمان تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد ومنع الفساد الإداري، ومن أسباب العجز أيضا الفشل في العملية الاستثمارية لأموال الصندوق. إن غياب الفساد الإداري ونجاح العملية الاستثمارية لأي صندوق تقاعد يساهمان في تجنب العجز الاكتواري، حيث إن مؤسسات التقاعد لا تعتمد فقط على الاستقطاعات، بل أيضا على أرباح عملياتها الاستثمارية، فهذه المؤسسات وكذلك شركات التأمين تقوم بعمليات استثمارية متنوعة وذلك لغرض تعزيز وضعها المالي وتعظيم الإيرادات، مما يتطلب وجود جهاز إداري قادر على اختيار الفرص الاستثمارية المناسبة لأموال الصندوق، ولذلك فإن أي عجز اكتواري ليس بالضرورة يكون دائما بسبب انخفاض في الاشتراكات أو ارتفاع في التقاعد المبكر، بل قد يكون بسبب عدم استغلال الموارد المالية الاستغلال الأمثل أو الفشل في العملية الاستثمارية.