التحديات والأمن المائي العربي

يعتبر العالم العربي من أكثر مناطق العالم جفافا وندرة مائية رغم عبقرية موقعه المميز، ولذلك فإن الدول العربية تعاني أكثر من غيرها من دول العالم من مشكلة المياه. وتتمثل هذه المشكلة في الاختلال بين العرض المحدود لموارد المياه الصالحة للاستخدام والبالغة حوالي 258 مليار متر مكعب وبين زيادة أنماط الطلب على المياه للأغراض المعيشية والمقدرة بحوالي 7% والصناعية 8% والزراعية 85% من إجمالي جملة الاستخدامات. ومما يفاقم هذه المشكلة سوءا ازدياد حجم الطلب على المياه مستقبلا، حيث تقدر الدراسات أن الطلب على المياه في عام 2030 م سيصل إلى حوالي 500 مليار متر مكعب وتقدر الفجوة المائية بحوالي 242 مليار متر مكعب، كما يزيد من حدة هذه المشكلة عدم الاستخدام الأمثل لموارد المياه وكذلك الإسراف في الاستهلاك والاستخدام وعدم الكفاءة في تخصيصها وخاصة في المجال الزراعي الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من إجمالي استخدامات المياه، حيث تقدر الدراسات أن نسبة الفاقد في الري السطحي السائد في معظم البلدان العربية حوالي 62% في المتوسط وبالرغم من ذلك، فإن المردود الاقتصادي لهذا القطاع لا يزال ضعيفا. كما أن القطاع الزراعي لم يستطع تلبية الاحتياجات الغذائية للعالم العربي إلا بحوالي 25% من جملة الاحتياجات. هذا ويواجه العالم العربي تحديات كبيرة لاستمرار زيادة الطلب على المياه تتمثل في الزيادة السكانية الكبيرة بالإضافة إلى زيادة النشاط الاقتصادي وارتفاع المستوى المعيشي. كما يمثل الجانب السياسي للمياه تحديا كبيرا يتمثل في أن حوالي ثلثي الموارد المائية السطحية في الوطن العربي والمتمثلة في الأنهار الرئيسية وهي دجلة والفرات والنيل والسنغال تنبع من خارج حدود الوطن العربي وبالتالي فإنها تخضع في اقتسامها إلى التجاذبات السياسية في المنطقة وما زال معظم هذه الأنهار دون اتفاقات واضحة تنظم اقتسام المياه ولعل قيام إثيوبيا ببناء سد النهضة يمثل أحد أهم هذه التجاذبات بين إثيوبيا من جهة وكل من مصر والسودان من جهة أخرى وذلك نتيجة للآثار السلبية المتوقعة والخاصة بالإضرار بمصالح مصر المائية. كما أن إسرائيل تستنزف المياه من الأراضي العربية المحتلة في الجولان وفلسطين وجنوب لبنان. وبالرغم من وجود إستراتيجية عربية للأمن المائي العربي حتى عام 2030 حيث تشمل هذه الإستراتيجية بناء نظام معلوماتي عربي متكامل مع تطوير البحث العلمي ونقل التكنولوجيا الحديثة، في مختلف المجالات ذات الصلة بقطاع المياه سواء بتوفيرها أو توزيعها أو استخدامها وغيرها. كما شملت الإستراتيجية مواجهة ظاهرة التغير المناخي والتعامل مع آثارها السلبية على الموارد المائية وكذلك إرساء مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية من خلال صياغة السياسات ووضع الأطر التشريعية والقانونية المنظمة مع التطوير المؤسساتي لقطاع المياه بما يحقق العدالة في توزيعها بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم لمشاريع المياه مع رفع كفاءة الاستعمال وحماية الحقوق المائية للبلدان العربية كما ركزت الإستراتيجية على التوسع في استعمال المياه غير التقليدية مع حماية البيئة الساحلية العربية وأخيرا تغريز وتشجيع المشاركه الشعبية ومشاركة القطاع الخاص وكذلك هو الحال في ضرورة تكامل إستراتيجية الأمن المائي العربي مع الإستراتيجيات العربية ذات العلاقة. وبقراءة متأنية فإن عدم واقعية هذه الإستراتيجية للتطبيق في العالم العربي يجعلها في مهب الريح كما أن جمود بعض الأفكار التقليدية التي احتوتها وعدم وجود آليات مناسبة للتطبيق خاصة في العالم العربي يجعل هذه الإستراتيجية تحتاج إلى إعادة تقييم بشكل مستمر مع التأكيد على أن كثيرا من بنود هذه الإستراتيجية يستحق الإشادة والاحترام وضرورة تفعيله والبناء عليه.