وباء عالمي، هو الاسم الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية على فيروس كورونا المستجد، هذا الفيروس الذي جعل كوكب الأرض بأكمله وبعد أن حولته العولمة إلى قرية صغيرة يعاني من الآثار السلبية لانتشاره على المستوى الاجتماعي والاقتصادي بل حتى السياسي والفكري، أتى هذا الوباء ليعيد ترتيب الأوراق على مستوى نظريات الانفتاح الاقتصادي بل وحتى حرية انتقال الأشخاص والأموال، فهل نحن في نهاية عصر العولمة أم أن العولمة قد أصبحت واقعا غير قابل للتغيير وخاصة على المستوى الاقتصادي؟ أولا وقبل كل شي فيجب أن نعلم أن العولمة الاقتصادية هي عملية زيادة وتشجيع التكامل والترابط بين الاقتصاديات المختلفة، والذي غالبا ما يتم من خلال سلسلة من الإجراءات والقوانين التي تهدف إلى عملية تسهيل وتسريع حركة انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال بل وحتى الأشخاص بين الدول والمناطق المختلفة على أن نصل مستقبلا إلى رفع القيود بالكامل عن عمليات الانتقال السابقة وبالتالي تحرير عمليات الاستيراد والتصدير والاستثمار وتحويل الأموال من معظم القيود المفروضة عليها. بعد الانتشار الكبير والتوسع العالمي على مستوى اتفاقيات تحرير رؤوس الأموال والسلع وبالتالي تزايد تطبيق فكرة العولمة بشكل جعل من بعض الشركات خاصة تلك التي تعتمد على فكرة التجارة الدولية شركات رائدة على مستوى العالم، أتى فيروس كورونا ليغير وبلحظات حسابات كثير من المستثمرين والمستهلكين على حد سواء، فشهدنا وبلمح البصر إغلاقا للحدود وإغلاقا للمطارات وتقييد حركة الأشخاص بما في ذلك رجال الأعمال والأموال، إجراءات مفاجئة أعادت الحسابات وبسرعة إلى ما قبل نظرية العولمة بل وإلى ما قبل عصر الانفتاح، لتحول العالم من قرية كونية واحدة على المستوى الاقتصادي إلى قرية كورونية واحدة على المستوى الصحي. هذا التحول وبالإضافة إلى سرعة انتشار الوباء وبالتالي تصنيف بعض مناطق العالم على أنها بؤر لانتشاره، دفع كثيرا من الدول إلى وقف استقبال المسافرين والبضائع القادمة من هذه المناطق دون القيام بإجراءات وقائية تمتد من الفحص والتعقيم لتصل إلى الحجر والعزل في بعض الأحيان. وكما استفادت الشركات الكبرى لأعوام مضت من فكرة العولمة والانفتاح الاقتصادي فتوسعت وانتشرت بكثير من دول العالم، فإنها اليوم وبنفس الظروف تعاني من هذا الانفتاح لتغلق فروعها وتوقف عملياتها بكثير من المناطق والدول. ومن هنا، تبقى النظرة المستقبلية هي الفيصل لما سوف نصل إليه بعد انتهاء الجائحة وعودة الأمور إلى نصابها بإذن الله، فهل أن عمليات تنقل وانتقال السلع والبضائع ستعود كما كانت سابقا؟ أم أن هناك سلسلة من الإجراءات والقيود ستفرض نفسها من الآن فصاعدا؟ وهل النمط الاستهلاكي الجديد سيتقبل منتجات عالمية؟ أم سيعود ليشجع المنتج المحلي، والذي أثبت خلال فترة الجائحة بأنه الصديق الصدوق لهذا المستهلك في الجوائح والأزمات. باختصار وبشكل سريع فإنه وكما أن لكل شيء إيجابيات وسلبيات، فقد تكون العولمة هي الحل الوحيد لشحذ الهمم وتجميع القوى لمواجهة أزمات كبرى باتت تحمل بتفاصيلها تأثيرات أكبر من السابق بكثير، فكما أن العالم حقق نموا كبيرا بالاقتصاد والأعمال، فإنه أيضا حقق نموا ضخما بحجم وانتشار الأزمات، ولكن وبنفس الوقت فإن العولمة باتت بابا واسعا تنتقل منه أزمات الدول الكبرى لتتحول من أزمات محلية خاصة بها، إلى أزمات وتحديات عالمية تضرب اقتصاديات دول أخرى، وهو ما يخفف من حدة هذه الأزمات في البلد الأم وبالتالي يوزع الأزمة على عدة دول فيجبرها وبشكل غير مباشر على تحمل جزء من تبعات هذه الأزمات وبالتالي جزء من خسائرها. من هنا وبرأيي الشخصي، فإن العولمة بفكرتها الحالية وإن تراجعت لفترة من الزمن إلا أنها ومع استمرار تطلعات النمو والتوسع لدى الشركات والمستثمرين ستبقى موجودة، حتى ولو بأشكال أخرى.