التدبير نصف المعيشة

الكاريكاتير الذي نشرته «لوسيل» قبل أكثر من أسبوع حفزني كثيرا للحديث حول الادخار والتدبير المالي المرتبط بالأسرة أو بعبارة أخرى التوفير والاقتصاد المنزلي، وهو موضوع لطالما شغل بالي وأرَّقَني. كاريكاتير «لوسيل» الذي أبدعته ريشة الفنان هزاع تظهر فيه الزوجة تدفع (تروللي) سلة مشتريات مملوءة بالأغراض وهي تخاطب زوجها «أبو سالم»: «أسمعهم يقولون ادخار ادخار .. وش تعني هالكلمة؟».. الزوج وقد امتلأت السيارة بالمشتريات وهو لم يزل يحمل أغراضا على رأسه وفي يده لا يجد لها مكانا في السيارة.. يجيبها بغيظ بالغ: «هذي كلمة يتمناها الرجل ولا يمكن أن تحققها له المرأة.. حطي الأغراض وبس!!». الكاريكاتير صوَّب على موضع الوجع عند كثيرين يعانون يوميا من تفشي السلوك الاستهلاكي لدى أسرهم حتى أوشك أن يهدد استقرارهم بسبب الإسراف والتبذير واتباع العادات الكمالية، فكثير من الأسر تتعرض للعديد من المشكلات والهزات نتيجة الإخفاق في إدارة إيرادات الأسرة المالية. قطعا لا يخلو منزل من تباين في وجهات النظر في مسألة إدارة اقتصاد البيت لسبب بسيط هو التفاوت في التقدير بين الزوج والزوجة حول الضروري والمهم والمطلوب والكمالي. اللوم دائما يقع على ربة المنزل والتهمة دوما أنها لا تتقن فن التدبير المنزلي.. هذا صحيح بنسبة كبيرة ولكن الأكثر صحة أن الاقتصاد المنزلي علم وفن يمكن تعلمه عن طريق الدروس والمحاضرات والكتب وبالتالي فإن المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة في تعلم ما يعصم حياتهم من الزلل وينجيهم من المطبات في مشوار الحياة المحفوف بالمكاره والأشواك عبر الوصول إلى صيغة تجعل الاستجابة لمتطلبات الأسرة وتلبية حاجياتها أمرا ممكنا ومقدورا عليه وفي نفس الوقت تقلل من القلق والاضطراب المرتبط بإهدار موارد الأسرة. قد يتساءل البعض حول الإخفاق الدائم الذي ظل يلازمه في إدارة إيراداته المالية، سواء كانت شحيحة أو عالية، يمكن الإجابة بسرعة بأن السبب هو غياب الخطة المستندة على تصنيف دقيق لمتطلبات الأسرة. للوصول إلى صيغة مثالية للتدبير.. ينبغي تصنيف المتطلبات إلى ثلاثة مستويات، الأول هو الضروري الذي إذا لم تتم تلبيته تقع الأسرة في الضيق والحرج، وربما تتعرض للمخاطر، سواء كانت مخاطر صحية أو غيرها مثل الماء والغاز والخبز والخضار والدواء. المستوى الثاني هو المتطلبات التي تأتي بعد الضروريات، وعدم تلبيتها لا يصيب بالضيق إلا إذا تعذرت تلبيتها جميعا، فكلما زادت صعوبة تلبيتها نقترب من المس بالضروريات مثل الزيادة في الملبس وتناول الفواكه والخضروات الموسمية. المستوى الثالث متعلق بالكماليات التي لا يشكل عدم توفرها أي خطر على الأسرة، وتوفيرها يزيد من سهولة الحياة ويسرها كالمبالغة في تناول الطعام خارج البيت والسفر الترفيهي والسيارة الإضافية والحديقة المضافة. فوق هذا وذاك فإن كل أسرة ملزمة بأن تضبط مصروفاتها بعد ترتيب الأولويات وفقا لإمكانياتها حتى تتجنب أي تعثر مالي قد يقودها إلى الغرق في الديون وكما يقال فإن التدبير نصف المعيشة.