اجتاحت الأسواق العالمية حالة من عدم اليقين منذ بدء التقلبات في فرض التعرفة الجمركية، وأصبحت الشركات تسعى للوصول إلى إجابة عن أسئلتها حول تبعات ذلك على حركة التجارة العالمية، وانعكاسه على معدلات النمو والاستثمار والتنافسية. فعلى الرغم من أن قطر ليست بمنأى عن تلك التحولات العالمية، إلا أن وضعها الاقتصادي يسمح لها بمواجهة هذه التغييرات، فقد ظلت صادرات البلاد الرئيسية- وهي الغاز الطبيعي المسال- خارج نطاق الإجراءات التجارية الأمريكية الأخيرة، حيث إنها لا توجه سوى جزءًا ضئيلاً من صادراتها إلى وجهات تفرض رسوم تعرفة جمركية عالية كالولايات المتحدة الأمريكية، كما أن دورها المحوري في أسواق الغاز العالمية من شأنه أن يؤمن لها معدلات طلب طويلة الأمد. والأهم من ذلك، أن دولة قطر ستخوض غمار هذه الحقبة من موقع قوة، في ظل الارتفاع الحاد في إنتاج الغاز، بفضل مشروع توسعة حقل الشمال، بالإضافة إلى احتياطياتها الوفيرة من السيولة النقدية، حيث يدير جهاز قطر للاستثمار أصولاً تقترب قيمتها من نصف تريليون دولار أمريكي، هذا إلى جانب تحقيقها لفوائض ثابتة في الميزانية حتى مع التقديرات المتحفظة في أسعار النفط والغاز، كما أثبتت قطر في الآونة الأخيرة، وبما لا يدع مجالاً للشك، مقدرتها على التعامل مع الاضطرابات في حركة التجارية الخارجية. ولكن الأمر لا يقتصر على التغلب على الصدمات، إذ تمتلك قطر أيضًا أدوات واضحة يمكنها تسخيرها لتحويل التقلبات إلى قوة دافعة. وأداتها الأولى هي رافعة التنويع الصناعي، حيث يعمد المصدرون الآسيويون، لا سيما الصين ودول جنوب شرق آسيا، عندما يواجهون حواجز تحول دون دخلوهم إلى أسواقهم المعتادة، إلى إعادة توجيه فائض السلع، مما يوفر لقطر إمكانية الحصول على سلع وسيطة ورأسمالية بأسعار مخفضة، ابتداءً من قطع الغيار وحتى الآلات المتطورة. وهذه المدخلات من شأنها تخفيف الضغوط التضخمية وتقليص التكاليف الرأس مالية من على كاهل الصناعات المحلية. لتشكل عند اقترانها بوفرة الطاقة منخفضة التكلفة في البلاد، قاعدة صلبة لتحقيق انطلاقة صناعية. ومثال ذلك إنتاج الألومنيوم، حيث تمثل الطاقة نسبة كبيرة من التكاليف الإجمالية لمُدخلات الإنتاج، وقطر بالفعل مصدر للألومنيوم، كما أن التوسع نحو الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المتوسطة والعالية كالمعادن والبتروكيماويات والكيماويات المتخصصة قد يمنح قطر ميزة كبيرة ويد عليا في الإنتاج الصناعي للتصدير. أما الأداة الثانية فتكمن في رافعة البنية التحتية، ففي ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بسبب فرض الرسوم الجمركية والتغير في الظروف الجيوسياسية، ظهرت ممرات تجارية جديدة، فالسلع التي كانت تتدفق بسلاسة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا تجري الآن إعادة توجيهها، مع بروز منطقة الخليج العربي على هذه الخريطة التجارية الجديدة. فإذا ما نظرنا إلى البنية التحتية للموانئ والمطارات بدولة قطر، فسنرى أنها خضعت للتوسعة والتحديث في الآونة الأخيرة، لتضع قطر في موقع يسمح لها بأن تصبح محطة استراتيجية في شبكة تمتد ما بين الشرق والغرب. هذا ويمكن لقطر، مع ضخ استثمارات إضافية وتوجيهها إلى الارتقاء بقدرات إعادة التصدير، والمناطق اللوجستية، والحلول الجمركية المتكاملة، أن تعمل كمركز تجاري رئيسي ونقطة معالجة في آن واحد. ولا يقتصر هذا على تعظيم حركة البضائع المارة، بل يشمل جذب مراكز التوزيع الإقليمية، والصناعات الخفيفة، وخدمات القيمة المضافة التي تقوم عليها سلاسل الإمداد العالمية. ثالثًا: ربما يكون الوقت المناسب قد حان لاستكشاف استراتيجيات استباقية من شأنها تعزيز النمو على المدى البعيد. فالمرونة الاستراتيجية لا تقتصر على تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي وحده، بل من خلال التنفيذ. وقد يعني ذلك بالنسبة لقطر، البحث المبكر عن خيارات الاندماج والاستحواذ العالمية، لا سيما في القطاعات الصناعية والتعدين والخدمات اللوجستية. وقد تسهم الاضطرابات الحاصلة في الصفقات الدولية، مثل انسحاب المستثمرين الصينيين من صفقات الاندماج والاستحواذ المقررة أو من الصناديق الأمريكية، في خلق فرص استثمارية مغرية لقطر. وقد يعني ذلك أيضًا ترسيخ مكانة قطر كمركز جاذب للمواهب، ففي الوقت الذي يعيد فيه المهنيون حول العالم تقييم الأماكن التي يرغبون في العيش والعمل بها، تستطيع قطر أن تقدم مزيجًا فريدًا من الاستقرار والطموح، وهذا هو الوقت المناسب لاستقطاب وتطوير واستبقاء الكفاءات التي ستقود دفة المرحلة التالية من النمو. كما يتطلب الأمر تهيئة الأنظمة الداخلية وتجهيزها، فعلى الرغم من امتلاك العديد من المؤسسات القطرية، بشقيها الخاص والعام، للموارد الكافية للتوسع عالمياً، إلا أنها تفتقر أحياناً إلى الأدوات المناسبة. لذا، فإن الاستثمار في القدرات الرقمية، وأدوات دعم اتخاذ القرار، ومعلومات السوق الهامة، كلها أمور لا غنى عنها. علمًا بأن اختيارات اليوم، على صعيد الاستراتيجية الصناعية، وتطوير البنية التحتية، والقدرات التنظيمية، هي التي ستحدد إذا ما كانت قطر ستجتاز هذه المرحلة الانتقالية لتصبح أقوى وأكثر تنافسية وأوثق ارتباطًا بالعالم. أما بالنسبة للشركات وصناع القرار، فالرسالة واضحة: استغلوا استقراركم اليوم في التحضير لعالم الغد، فمن يستعد مبكراً لن يتكيف مع تغيرات المستقبل فحسب، بل إنه هو من سيصنعه.