المساعدات هي استثمارات

يعزز النمو الديموقراطية في الممارسة والقوانين، وهذا مهم عندما تكون الحريات مقيدة. يقول الاقتصادي "أمارتيا سن" أن التنمية هي حرية، اذ ما الفائدة من النمو والتنمية اذا لم يعززا حرية الانسان بحيث يختار ما يشاء في كافة الميادين. تحسن الأوضاع المعيشية يعزز الانفتاح ويضرب التطرف ويسمح أكثر بقبول الغير حتى لو كانت أفكاره معارضة أو مختلفة. النمو يعزز فرص اندماج الأقليات العرقية والجنسية والدينية في المجتمعات. النمو ليس فقط عملية مادية بسيطة، بل هي دافع أساسي للتطور الحياتي والانساني. بالرغم من أن الديموقراطية تحدث بعض الفوضى وتتعرقل فيها أحيانا ممارسة السلطة وتنفيذ القوانين، الا أنها تبقى أفضل الأنظمة. النمو يعطي الفرص الكبيرة للديموقراطية كي تدوم وتتعزز وهنالك أشكال مختلفة منها تناسب المجتمعات. النمو يقلص فجوة الدخل والثروة داخل المجتمعات كما يعزز الوعي بشأن احترام البيئة. مستقبل العالم والانسانية يرتكز على بيئة متنوعة ونظيفة تستفيد منها الأجيال. كتب الخبير "هاري فرانكفورت" في 1987 ان فجوة الدخل غير مهمة، بل المهم أن يحصل الفقير على حقوقه. اذا حصل على ما يكفيه من دخل، مسكن لائق، ضمان صحي كاف وتعليم رسمي مجاني، فلا يعد يهتم بالفجوة. تكمن المشكلة في رأيه في الحرمان المباشر الذي يصيب الفقراء. لذا يعترض "فرانكفورت" على الذين يركزون على فجوتي الدخل والثروة لحل مشكلة الفقر وينصحهم بالتركيز المباشر على أوضاع الفقراء المادية والمعنوية. طبعا هنالك من يعترض على نظرية "فرانكفورت" ويدعو على العكس الى التوجه مباشرة نحو الفجوة ومحاولة تقليصها عبر الضرائب على الأغنياء ودعم الفقراء. يقولون أن الفجوة الواسعة خطيرة وتقضي على الأمن الاجتماعي. أي مجتمع يحكم من قبل الأغنياء فقط لن يكون عادلا وفاعلا. المجتمع الذي يتجاهل الفجوة يمنع عمليا تحسن الأوضاع داخله مما يضر بالنفسيات الطموحة التي تبقى أساس وقلب أي اقتصاد. انتقال الثروات عبر الارث فقط يضر بالحريات ويمنع الذين لا ارث لهم من التقدم. الحفاظ على الإرث مهم لكن مع تطبيق ضرائب مناسبة على الثروات والدخل تسمح بتمويل المشاريع التي تفيد الفقراء. من مخاطر نظرية "فرانكفورت" انها تسبب الاحباط عند الفقراء وتبني علاقات عدائية داخل المجتمع تضرب النمو. باختصار، تؤثر سلبا على العدالة والتطور. هنالك دراسات قيمة تشير الى أن مساعدة الطبقات الاجتماعية من قبل الدولة هي عملية استثمارية عامة مربحة. من الخطأ تخفيف البرامج الاجتماعية عندما تتعثر أوضاع الموازنات، اذ يجب أن ينظر الى المساعدات كاستثمار وليس كاستهلاك. من أهم هذه البرامج تلك المقدمة للنساء والأطفال وأصحاب الحاجات. فهي مربحة مستقبلا اذ تعزز الايرادات الضرائبية وتخفف الحاجة الى المساعدات وترفع مستوى الانتاجية والفعالية. الانفاق العام الاجتماعي مجد ومن الخطأ التقشف دون دراسة التأثيرات. لذا يقول الاقتصادي "بول كروغمان"، ان مساعدات الحكومة الأميركية خاصة للعاطلين عن العمل أبقت معيشة الأميركيين لائقة ومنعت انتشار الفقر في زمن الكورونا.