سياسات التقشف

لطالما نظرت إلى سياسات التقشف التي نادت بها وما زالت وزارات المالية بدول الخليج في جملة من التعاميم والقرارات والبيانات الصحفية، وما يعقبها من مؤشرات وأرقام وتقارير تؤكد على نجاح هذه السياسات في خفض الإنفاق وتعزيز الموارد – لطالما نظرت – إليها بشيء من القلق والتوجس واليقين بأنها سياسة فرضها الواقع، وبالتالي ينبغي أن تخضع للتمحيص والتقييم والتحليل من قبل خبراء ومفكرين اقتصاديين، لتبين آثارها وانعكاساتها على مجمل الحياة ومدى توافقها من جانب آخر مع سياسات التنويع وتعزيز الموارد، فقطاعاتنا الاقتصادية لا تزال تعتمد اعتمادًا شبه كلي على المشاريع والمناقصات والإنفاق الحكومي، والقطاعات الأخرى غير النفطية الصناعية والسياحية والمعرفية والسمكية. تتطلب الكثير من الاستثمارات والمشاريع الإنفاق المالي السخي، والتي من جانبها ولكي تحقق الأهداف وتصل إلى مرحلة النجاح فتحتاج إلى حزمة من السياسات التحفيزية ودراسة وإصدار التشريعات والقوانين التي من شأنها بث الطمأنينة وتشجيع الشركات ورجال الأعمال على الاستثمار في منطقتنا بكل ثقة، وترشيد الإنفاق سوف ينعكس سلبا على حياة الرفاه والمكتسبات الاجتماعية التي يحصل عليها المواطن الخليجي عبر أكثر من أربعة عقود من الزمن، ولو أخذنا بضعة أمثلة مبسطة خارج إطار مشاريع البنية التحتية المعروفة، فإن الصحافة المحلية (الورقية) في الدول الخليجية والتي تعاني كثيرا من سياسات التقشف، تعتمد في جزء من أرباحها على اشتراكات المؤسسات الحكومية وتقليص هذه الاشتراكات أو وقفها نهائيًا - وفقا لسياسات الترشيد المطبقة حاليا - سيؤدي إلى خسارة المؤسسات الصحفية وقد يصل الأمر إلى الاستغناء عن عدد من موظفيها وفيهم مواطنون، وهكذا هو الحال بالنسبة لشراء السيارات وأجهزة الحاسب الآلي والتصوير والأنظمة التقنية ومشاريع البنية التحتية واستئجار العقارات حال الاستغناء عن الكفاءات من الأجانب. سوف تفضي جميعها إلى انكماش السوق وتراجع نسب النمو وضعف الاقتصاد، وقد أظهرت الأرقام والمؤشرات تراجع نمو معظم الأنشطة الاقتصادية في دول الخليج في عام 2016م مقارنة بالعام الذي سبقه 2015م وهو ما يعد انعكاسا طبيعيا للسياسات التقشفية. وللتعرف بشكل أعمق على نتائج وانعكاسات سياسات ترشيد الإنفاق، فقد أمضيت ساعات أقلب في عشرات الكتب المصفوفة في أدراج مكتبتي إلى أن عثرت على ضالتي بحصولي على كتاب (التقشف تاريخ فكرة خطرة) لمؤلفه مارك بليث ترجمة عبد الرحمن إلياس، ضمن سلسلة (عالم المعرفة) التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت. الكتاب إلى جانب غزارة معلوماته وأسلوبه الشيق فقد بذل مؤلفه جهدا شاقا في تقديم رؤيته الاقتصادية حول مختلف الأزمات المالية والاقتصادية التي مرت بها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا تحليلا وأسبابا ومعالجة وعلى رأسها سياسات ترشيد الإنفاق، مسجلا مآخذه عليها وربطها بالعديد من المدارس والمناهج الاقتصادية ومقارنتها بأزمات سابقة، وما أحوج خبرائنا الاقتصاديين ووزراء المالية والمسؤولين المختصين في بلداننا لقراءة مثل هذه الكتب القيمة. وسوف أقدم في الجزأين المقبلين من هذا المقال قراءة مختصرة لما تضمنه الكتاب مكتفيا بالجانب الخاص بسياسة (التقشف)، كون أن قراءة الكتاب بفصوله وتخصصاته الواسعة تتطلب عددا واسعا من المقالات.