هندسة القرارات

نعيش في عالم متزاحم جداً، منغمسون بين المسؤوليات المهنية والشخصية، ولذلك تمر علينا الكثير من القرارات التي يجب أن نتخذها. بعض القرارات تتطلب السرعة والبعض لابد من التأني والتفكير والتحليل. ولكن من أكبر التحديات التي تواجهنا معرفة متى يجب أن نتخذ القرار بسرعة ومتى نصبر ونتأمل.  يكشف الاقتصادي الكبير ريتشارد ثيلر الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه الشهير "Nudge" أي دفع أو الوكز، أن اتخاذ القرار يكون بطريقتين لدى الناس. الطريقة الأولى كما يسميها الطريقة الحدسية والتلقائية، بينما تكون الطريقة الثانية التأملية والعقلانية. وغالباً تكون الطريقة الأولى هي السائدة لدينا في اتخاذ القرار لأنها سريعة ولا تتطلب جهداً ذهنياً. ولذلك يقول إننا نستطيع تحسين وتطوير عملية اتخاذ القرار من خلال الدفع أو الوكز بطريقة غير مباشرة.  مثلاً، كانت الشرطة في مدينة شيكاغو تعاني من عدم تقيد السائقين بالسرعة المطلوبة على إحدى الطرقات التي فيها منحنيات كثيرة وتكون خطيرة، فحاولوا أن يقوموا بتغيير سلوك السائقين من خلال "الدفع"، فوضعوا لهم علامة كبيرة جداً بجانب المنحنيات بتخفيف السرعة، بالإضافة إلى أنهم استخدموا خدعة بصرية فوضعوا خطوطا بيضاء متساوية، فكلما اقتربوا من المنحنى تتقارب الخطوط البيضاء وهذا يعطيهم انطباعا بأنهم مسرعون جداً، فنجحت هذه السياسة والتزم أغلبهم بالسرعة المطلوبة.  دعونا نأخذ مثالاً آخر، نفترض أن أحد مرضى القلب يجب عليه القيام بعملية معقدة جداً، فيقول له الطبيب إن 90 % من الذين أجروا العملية عاشوا لمدة خمس سنوات بعد العملية. فغالباً يرتاح المريض لهذا الكلام ويجري العملية. ولكن لنفترض أن الطبيب قال له: 10 % من المرضى ماتوا بعد خمس سنوات، هنا قد يفزع المريض ولن يقوم بإجراء العملية. مع العلم لو أننا "تأملنا" قليلاً لوجدنا بأن محتوى جملتي الطبيب متطابق. ولكن طريقة العرض قد تدفع المرضى باتجاه معين.  بإمكاننا تطبيق هذه السياسة على كثير من الجوانب في حياتنا وذلك بهدف تحسين عملية اتخاذ القرار. مثلاً بإمكان تطبيقات توصيل الطعام دفع الناس لخيارات صحية من خلال إعادة تصميم واجهة التطبيق ووضع الخيارات الصحية في المقدمة..  بعض الأحيان نحتاج أن نفكر بطريقة مختلفة لدفع الناس باتجاه معين يكون في صالحهم !!