التجربة الكورية في التعليم

تعتبر جمهورية كوريا الجنوبية إحدى الدول التي نجحت في تغيير مفهوم التعليم لديها على جميع المستويات بدءاً من الحضانة إلى المراحل الجامعية وما بعدها، وبذلك تمكنت من خوض التجربة الناجحة في تعليم وتدريب وتأهيل مواطنيها ليصبحوا اليوم قادة الصناعات الثقيلة والعملاقة والأجهزة الإلكترونية الدقيقة. إن قرار الحكومة الكورية بعد الحرب العالمية الثانية انصب على النهوض بهذه الدولة من الركام عبر التركيز على منظومة التعليم وتحديثها بصورة تتناسب وإرادة هذه الدولة، مع التركيز على الأخلاق أيضا في آن واحد، وترسيخ هذه الفكرة النابعة من مبادئ الكونفوشية والبوذية، حيث تم التركيز على مبدأ الأخلاق في المدارس والكليات والجامعات، بجانب تعويد الإنسان الكوري على الكدح في العمل اليومي، والتركيز على التعليم المهني، وتوزيع العمالة الكورية على مختلف الدول في العالم ومنها بعض الدول الخليجية للاستفادة من جميع تجارب الآخرين، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الأموال المحولة من العمالة الكورية العاملة في تلك الدول، واستغلاها في إقامة وتشغيل المصانع الخفيفة، ثم التوجه نحو الصناعات الثقيلة، واستخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة والمعرفة في جميع مراحل الإنتاج. ومن هنا نرى أن التجربة الكورية وبعض التجارب الآسيوية الأخرى جديرة بالدراسة والعناية، وخاصة الأنظمة التعليمية التي كانت سببا مباشرا في ترقية تلك الشعوب والنهوض بأبنائها في التعليم وانطلاقتها في عمليات الإنتاج والصناعة، وتوفير آلاف فرص العمل لمواطنيها بسبب نظامها التعليمي، حيث كان له الفضل لتصبح اليوم في مصاف الدول الصناعية المتقدمة. فالجامعات والمؤسسات التعليمية الكورية تهتم كثيرا بالهندسة والعلوم وما يرتبط بهما من العلوم الأخرى. فخلال العقود الأربعة الماضية حدثت الكثير من التطورات والتغيرات في كوريا الجنوبية، الأمر الذي يدفعهم اليوم لمواصلة جهودهم في تغيير مقومات الذكاء الصناعي في مدارسهم وكلياتهم وجامعاتهم وبمساعدة الجهات المعنية الأخرى في الدولة، مع العمل على تقديم الدعم للجوانب التعليمية، وتعيين المتعلمين وأصحاب المهارات في مختلف الأعمال، والتركيز على البحث العلمي. لقد تمكنت كوريا من أن تجعل من تربيتها وتعليمها أداة فعالة في مسيرة التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث إن نظام التربية والتعليم في هذه الدولة يتجدد في كل مرة، ويهتم بصورة كبيرة لإكساب مهارات الإنسان وتعزيز قدراته الأساسية منذ نعومة أظفاره، بدءا من مرحلة رياض الأطفال إلى المرحلة ما فوق الجامعية، حيث من خلاله تمكنت كوريا من التخلص من الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية المطلوبة. ومن هنا نؤكد بأن الاستفادة من التجربة الكورية والتجارب الآسيوية الأخرى ضرورية لدولنا، حيث ساهمت تلك التجارب في تحقيق تنمية ناجحة في تلك الدول، ووفرت المزيد من فرص العمل لأبنائها من خلال عملهم في مختلف المشاريع، متخذين من لغاتهم المحلية الأصلية منطلقا أساسيا في التعليم والعمل منذ بداية المرحلة ما قبل الابتدائية وحتى الدراسات العليا، مع ضرورة الاعتماد على اللغة العربية في مجال التعليم والدراسات ليكون الفهم والاستيعاب والإنجاز أكبر مما نتصوره، عملا بما تقوم به دول صناعية كبرى في آسيا كاليابان والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى لتعزيز مشاركة المواطنين في الأنشطة الاقتصادية، وعدم الاعتماد كثيرا على العمالة الوافدة في المجالات والأنشطة الاقتصادية والصناعية المهمة.