حين تعلن شركة ما عن عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية أمام الدائنين فهذا يعني أن تلك الشركة في حالة إفلاس تام وليس لديها خيار آخر غير التوقف عن الإنتاج وتصفية كل أملاكها وحساباتها المصرفية لغرض تسديد أكبر قدر ممكن من الديون المتراكمة عليها، فتقوم بتسريح العاملين لديها ومن ثم تجد طريقها إلى خارج سوق العمل. حدث ذلك مع المئات من الشركات الدولية والمحلية. فعلى سبيل المثال قبل عشر سنوات أعلنت شركة روفر البريطانية لصناعة السيارات عن غلق أبوابها بعد أن تعرضت إلى انتكاسة مالية ماحقة، أدت إلى إفلاسها مما أجبرها على تسريح أكثر من 5000 عامل، وكذلك شركة كوداك العريقة في صناعة الكاميرات والأفلام التي أعلنت إفلاسها بعد أكثر من مئة عام من النجاح. وفي دول مجلس التعاون، وليس ببعيد، اختفت من الوجود كل من شركة طيران البحرين وشركة طيران سما السعودية بعد أن لحقت بهما خسائر مالية كبيرة مما جعلهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية. وعادة ما يكون السبب وراء إفلاس الشركات هو الاقتراض لعدم توافر السيولة أو انخفاض في الطلب بسبب تدهور في الوضع الاقتصادي للدولة. ولكن ماذا عن إفلاس دولة؟ كيف يمكن للدولة أن تعلن إفلاسها؟ وهل ينطبق عليها ما ينطبق على الشركات والمؤسسات التجارية والاستثمارية؟ كما هو الحال في الشركات الاستثمارية تكون الدولة في حالة إفلاس عندما تكون غير قادرة على الوفاء بديونها أو التزاماتها المالية الأخرى مثل دفع الرواتب والأجور ودفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع. في مثل هذا الوضع تكون الدولة ضعيفة ماليا غير قادرة على تسيير الأمور الاقتصادية والاجتماعية. ولكن وبطبيعة الحال، لا تعلن الدول إفلاسها بنفس الطريقة التقليدية التي تعلن بها الشركات إفلاسها، لاسيما وأن النظام الحاكم يخشى على مستقبله السياسي. فقبل أن تصل إلى درجة الإفلاس تلجأ الدولة إلى البلدان الصديقة أو المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو نادي باريس لإقراضها وإنقاذها من الوضع المالي الصعب. إن من أهم أسباب إفلاس الدولة هو انخفاض حاد في الإيرادات العامة أو أزمة اقتصادية خانقة نتيجة لسياسات وقرارات خاطئة أو انهيار الدولة بسبب خسارتها للحرب. إفلاس دولة يعني انهيارا تاما للاقتصاد وتدهورا في الوضع المعيشي وارتفاع معدل البطالة بشكل يهدد الأمن الاجتماعي والسياسي وحالة من الفوضى في المجتمع، والأخطر من ذلك تكون للإفلاس تداعيات خطيرة على سيادة الدولة والنظام القائم. فعندما تضعف الدولة اقتصاديا وتكون عاجزة عن حماية نفسها والدفاع عن شعبها، يكون البلد معرَّضا إلى استعمار من قبل دول أخرى أو لوصاية دولية، أو انقسامها لأكثر من دولة، فيصبح البلد دون سيادة فعلية. السودان، وقبل أن يتجزأ إلى دولتين، كان في حالة قريبة جدا من حالة الإفلاس فكانت الدولة المركزية ضعيفة ماليا بسبب تراكم الديون عليها وغير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية فأصبح البلد بأكمله في حالة فوضى مما شجع بعض الأقاليم على طلب الانفصال. إن تداعيات وخطورة الإفلاس تختلف من بلد إلى بلد آخر، فطبيعة النظام الحاكم تحدد بشكل كبير حجم تلك التداعيات وخطورتها. فعلى سبيل المثال في البلدان الأكثر ديمقراطية يؤدي الإفلاس إلى احتجاجات واعتصامات شعبية تجبر الرئيس أو الحزب الحاكم على الاستقالة ومن ثم انتخابات مبكرة ويدخل البلد في حالة شلل تام في الحياة السياسية. الأرجنتين وبعد أن أعلنت إفلاسها عام 2001 تعاقب على رئاستها أربعة رؤساء خلال أقل من سنة وهذا يكفي للتدليل على مدى قوة الأزمة المالية التي وقع فيها هذا البلد. أما في الدول غير الديمقراطية تكون نتائج الإفلاس أكثر خطورة على كيان الدولة وسيادتها وعلى الاستقرار الأمني والاجتماعي، حيث يكون البلد معرَّضا للتفكك والتقسيم وإلى حرب أهلية طاحنة تستمر لفترة زمنية طويلة، مما قد يشجع دولا أخرى على التدخل في هذا البلد لتعجيل تقسيمه إلى دويلات صغيرة. كم من الدول العربية على شفا الوقوع في الإفلاس بسبب سوء الإدارة الحكومية، وترهل المؤسسات العامة من جراء نخر الفساد لها وسوء السياسات الاقتصادية؟