ليس كافيا مجرد الشعور بوجود اختلال في المصالح بين الأطراف، أو مجرد المساس بحقوق مكتسبة للجوء إلى القضاء ورفع دعوى من أجل إعادة التوازن للمصالح المتقابلة، فالقضاء لا يسأل أولا عن الحق المتنازع فيه أو طبيعة موضوع النزاع القضائي، بل إن أول ما يتم الاستفسار عنه هو هل للأطراف المتخاصمة مصلحة في الاختصام لدى المحكمة أم لا.
من المبادئ المستقر عليها في العمل القضائي أن تكون للخصوم مصلحة مقررة في القضية المنظورة أمام المحكمة، فلا يتم سماع دعوى ولا دفاع من قبل أي طرف إلا إذا أرفق دعواه بما يثبت أن مصلحة قائمة في القضية المرفوعة، سواء تعلق الأمر بالطرف رافع الخصومة، أو الخصم الذي يتم مقاضاته. وهذا المبدأ يعتبر من أبجديات التقاضي، بدليل أن أول مادة من قانون المرافعات المدنية نصت عليه، وأكدت أنه لا يقبل أي طلب أو دفع ليس لصاحبه مصلحة قائمة يقرها القانون.
المصلحة في الدعوى ركن من أركان قبول الدعوى وجواز نظرها من قبل المحكمة، بمعنى أنه من اللازم قيام علاقة بين رافع الدعوى وبين الحق المتنازع بشأنه، وأن الحكم القضائي المفترض صدوره في هذا النزاع سوف يتناول مصلحة من مصالحه، أما إذا انتفت هذه الرابطة أصبح صدور الحكم لا جدوى منه بالنسبة للأطراف لأن مصلحتهما غير متوقفة على الفصل في ذلك النزاع من عدمه.
والمصلحة ليست بالضرورة أن تكون محققة وحالة حين رفع الدعوى بل يجوز أن تكون مصلحة محتملة من المتوقع حدوثها، فإذا كان الأصل أن المصلحة يجب أن تكون قائمة فإن الاستثناء أن تكون المصلحة محتملة، ومن الضروري لتجنب الإضرار بها رفع دعوى قضائية استباقية، وعلى سبيل المثال تكون المصلحة في الدعوى قائمة في حال قدمت الزوجة دعوى تطالب فيها الزوج بالإنفاق عليها، لأن مصلحتها كزوجة تم الإضرار بها عند توقف الزوج عن الإنفاق عليها.
في حين تكون المصلحة محتملة مثلا عندما ترفع الزوجة عريضة إلى قاضي الأمور الوقتية تطلب فيها الأمر بإسناد حضانة الأبناء إليها مؤقتا لحين البت في دعوى الطلاق للضرر والشقاق، ففي هذه الحالة الزوجة ليست مطلقة وحضانة الأبناء مفترض أنها مشتركة بين الزوج والزوجة، لكن بحكم أن هذه الأخيرة أقامت دعوى تطلب فيها الطلاق فمن المحتمل أن يتم التفريق بينها وبين الزوج، لكن مصلحتها ومصلحة أبنائها يحتمل أن تتضرر إذا لم تطلب إسناد الحضانة إليها مؤقتا خلال الفترة بين تداول الدعوى أمام المحكمة وبين تاريخ صدور حكم نهائي بالتطليق.
وهنا تظهر أهمية المصلحة في الدعوى، لأنها هي حجر الأساس في تحديد جدية الطلبات المقدمة إلى الهيئة القضائية من أجل الفصل فيها حسب القناعة التي يتم تكوينها بعد دراسة جميع جوانب القضية.