سوقنا المالية.. مصباح علاء الدين القابع بعيدا

يسعى الاقتصاد السعودي لكسرِ طوق الرتابة والقولبة «النفطية»، فيما تُكابد السوق المالية السعودية من الرتابة، فمؤشرها يتحرك على مهلٍ للأسفل قليلاً ثم بتثاقل للأعلى ويُعاود الرتابة، كما «البندول». ويمكن الجدل أن حالة انفصامٍ تسود بين سوقنا المالية واقتصادنا الوطني، وأنه لا بد من إزالة التجاهل المتبادل بين السوق المالية والاقتصاد (سياسته المالية والنقدية)، ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه كسر حالة الرتابة التي تفقدنا جزءاً مهماً من الحيوية المفترضة في سوقٍ نُعَول عليها كثيراً في القادم من الأيام، وقد يتحقق ذلك من خلال بضع خطواتٍ قصيرة ومتتابعة، منها: أولاً- من الضرورة الخروج تماماً من انكفاءة «2006»، ببثٍ ممنهج للحيوية في السوق، بطروحات ذات وزن تحمل رسائل اقتصادية ذاتَ وزنٍ كذلك، كطرحِ مزيدٍ من أسهم الشركات الكبرى المدُرجة كالكهرباء والاتصالات و«سابك» والعقارية. ثانياً- قبل طرح أي جزءٍ من شركة أرامكو السعودية، التأكد من أن الخطوة الأولى اكتملت (طرح حصص من الملكية الحكومية في الشركات المدرجة)، من أجل: 1.تعمق السوق المالية، وتحرير ملايين الأسهم ما برحت تعيش منذ إصدارها خارج التداول! 2.إعادة إشراك المواطن السعودي ثانيةً في السوق ومنحه الفرصة لتحقيق مكاسب، 3.الربط مع سياسة الخصخصة التي كنا نعتقد لفترة طويلة أنها لا تقوم على شرط انخفاض (أو ارتفاع) الايرادات النفطية، لكن تبين من القرائن أن الاهتمام بها، أي الخصخصة، متلازم مع شح الإيرادات! والأهم، أن هذه الخطوة تنسجم وسياسة الخصخصة التي تتبناها المملكة ضمن برنامجها للإصلاح الاقتصادي، والرؤية 2030. ثالثاً- إطلاق شركات جديدة لقطاعات تحتكرها الحكومة، كتأسيس وإطلاق شركة مساهمة سعودية للمطارات (شركة المطارات السعودية)، وطرح جزء منها في السوق المالية (تداول) مباشرة و«بلا طول سيرة». كل هذا قبل طرح أرامكو، أو لنَقل تهيئة الأجواء لطرح أرامكو، أو لنَقل «رفع» لياقة سوقنا المالية المتثاقلة الحركة لتتهيأ لمجاراة ما يتطلبه طرح جزء من «الحوت الأزرق» من على منصة اعتادت طرح أسماك صغيرة ومتوسطة والقليل القليل من أسماك الهامور، أما طرح الحوت فذاك أمرٌ خارج عما اعتادت السوق ممارسته. ثالثاً- يمكن القول إن أحدث «الرتابة» السائدة في سوق الأسهم سببه افتقار السوق لمحفزات كفيلة بجذب النشاط مجدداً. رابعاً- إن إعادة الحيوية للسوق مجدداً تستوجب الاستفادة من تجارب الماضي، فالاقتصاد السعودي بحاجة إلى سوق مالية حيوية تساعده على التنوع. وبغض النظر عن نتائج مبادرة السماح للأجانب، فالسوق المالية السعودية تغرد -إجمالاً- خارج سرب اقتصادنا السعودي، فاقتصادنا تقليدياً مُنفتحٌ: (1)منفتحٌ على استيراد وتصدير السلع والخدمات، 2.منفتحٌ حتى الغَرَق على استقدام العمالة، رغم أن هذه السوق (سوق العمل) هي التي تسعى الدول -بما في ذلك الاقتصادات المتقدمة- عادةً لحمايتها وتقنين دخولها لتبقي أفضل الوظائف لمواطنيها، (3) منفتحٌ على الاستثمارات الأجنبية المباشرة عربياً وشرق-أوسطياً، وليس أدل على ذلك من جهود الهيئة العامة للاستثمار في هذا الصدد. كل ذلك لم يحرك لسوقنا المالية ساكناً سوى التداول الداخلي ومبادرات متباعدة ومتثاقلة للانفتاح على المستثمرين الأجانب. وختاماً- أهمية إطلاق هيئة السوق المالية مبادرة رصينة -كما هو ديدنها- تعزز روابط التناغم والتكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية واستراتيجية التنويع الاقتصادي. وما يبرر اقتراح ذلك، أن نظام الهيئة وإجراءاتها تتيح لها مجالاً واسعاً للتحرك. وإن كانت الهيئة قد قضت المرحلة السابقة في التأسيس، فملائم أن تنطلق الآن لتعزيز وضع ومساهمة السوق المالية بما يوظف إمكانات اقتصادنا الوطني، ويحقق تطلعاته لمرحلة قادمة حاسمة ليس بوسع سوقنا المالية أن تقف منها موقف المتفرج، ولا يليق بدورها إلا أن يكون محورياً ارتكازياً، فهي من سيجلب المال لزيادة سعة الاقتصاد وبنيته التحتية، وتوفير التمويل لأنشطته الفوقية، بعد أن أخذت بوصلتنا في التحول من ريع النفط إلى عوائد الإنتاج. ihsan@jotha.com