رحلتي لسنغافورة.. ورياح الكساد التجاري

قمت الأسبوع الماضي بزيارة لسنغافورة مع صديقي اليوناني لحضور حفل زفاف ابنة أحد أصدقائنا السنغافوريين، كانت الساعة قد قاربت الواحدة ظهراً عندما أعلن كابتن طائرة الركاب للرحلة رقم (QR946) التابعة للخطوط القطرية عن قرب الهبوط بمطار شانغي الدولي. فألقيت نظرة من النافذة لمشاهدة منظر البحر قبالة الميناء، والذي كان مُكتضاً بالسفن بمنطقة (Anchorage) وهي منطقة ترسي بها السفن للانتظار قُبالة ممرات الموانئ، والتي كانت ممتلئة بشكل مُلفت. وهبطت الطائرة وخرجنا مُستقلين سيارة الأجرة للفندق، وبالطريق تابعنا الحديث عن ذات المشهد، وتأثير الكساد التجاري على صناعة النقل البحري، وتكراره في مناطق مختلفة بهذه الفترة، خاصة بالمياه الآسيوية، فحدثني صديقي، عن أعداد السفن الكبيرة التي تنتظر دورها للدخول بوضعية الخمول بمناطق الرسو التابعة لميناء بيروز اليوناني. هنا التفت إلينا سائق سيارة الأجرة الذي يتجاوز عمره الستين عاماً، قائلاً هذه هي «دورات صناعة النقل البحري»، لقد رأيتها بفترة عملي السابق بالثمانينات سنغاوالتسعينات، حيث كنت أعمل بإحدى الشركات التي تقدم خدمات تخزين السفن قبل تقاعدي، فالعديد من الحفارات البحرية والسفن كانت تأتي لنا عند إنخفاض نسبة إشغالها، مُنتظرة حصولها على عقود تُعيدها للعمل، وحاجتها إلى خفض التكاليف. فكُنا نجني منها عوائد ماليه جيدة نسبياً، كونها من الخدمات التي لا تتطلب رأس مال مرتفع، وكذلك شأن الموانىء من إيرادات تأجير المساحة التي يشغلها الحفار أو السفينة، ورسوم خدمات توريد المؤن والديزل وعمليات القطر والإمداد وغيرها، كما أن أحواض إصلاح السفن كان لها نصيب أيضاً، فهي عادةً ما تحصل على عقود لإجراء عمليات إصلاح شاملة لتلك الحفارات ومُساعدتنا في تهيئة بعض السفن للعودة للعمل. فسنغافورة من أشهر مناطق (hot layup)، بالإضافة إلى منطقة نهر جوهور، وخليج بروناي الذي يحتوي أكثر من 150 سفينة حالياً، وباتام في ماليزيا، والجزر الإندونيسية القريبة من سنغافورة، وهي جميعها تعمل الآن بكامل قدراتها الاستيعابية، فغالبية السفن التي تأتينا هي سفن الخدمات البحرية، مثل سفن إمداد المنصات البحرية وبوارج الحفر، وسفن البضائع السائبة والجافة، وسفن الحاويات الصغيرة. ومع وصولنا للفندق، أضاف صديقنا الجديد، فخلافاً على كون الـ (Cold layup) ذات تكلفة مُنخفضة نسبياً لملاك السفن، مقارنةً بـ (Hot Layup) التي توفر فقط (30%) من التكلفه اليومية للسفينة، تظل هي الخيار المفضل لهم، التي تسمح لهم الإبقاء على الحد الأدنى من طاقم السفينة لمتابعة جاهزيتها، لتوقعهم العودة للعمل في غضون أشهر، بالإضافة إلى أمور تتعلق بسمعتهم بالأسواق، وهو سبب التكتم الدائم على هوية الملاك، ومع أن هذه الخدمات تعود بعوائد لجهات مختلفة، فالسلطات دائماً تحث على عدم الانتظار داخل حدود الموانئ وممراتها لأسباب متعددة يطول سردها، والحديث عنها له بقية.