الهدر المالي والفشل الصحي

البؤس يولد الكراهية وهذا ما يحصل عالميا، إذ نتج عنه وصول قيادات سياسية تعبر عن هذه الكراهية. ماذا يقصد الرئيس ترامب عندما يصف الكورونا بـ «الفيروس الصيني»؟ يسعى إلى شد عصب المؤيدين له قبل الانتخابات أي عموما الرجال البيض الذين ما زالوا يشعرون بالحرمان والغضب من السياسات السابقة التي عززت بقية الأعراق كما الجنس الآخر. لم تكن المشكلة في الآخرين لو استطاع الاقتصاد توفير فرص العمل للجميع، لكن الضحية كان الرجل الأبيض في رأيه فانتفض. العمر المرتقب للرجل الأبيض في الولايات المتحدة ينحدر منذ أواخر التسعينيات بسبب اليأس لذا أعطى ترامب 67 مقابل 28 صوتا لهيلاري كلينتون. للكورونا تأثيرات كبرى، لن تنعكس على المواضيع الصحية فقط بل ستمتد إلى كافة الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كشفت الكورونا عجز الأنظمة الصحية العالمية. تبين التقصير والفساد في الإنفاق الهائل على الصحة. ليس فقط أهدرت ضرائب المواطنين وأموالهم من قبل الحكومات والجمعيات والمنظمات، بل نوعية الخدمات المقدمة ليست بمستوى طموحات المواطنين وآمالهم. أنفقت المجتمعات على الحاجات التي تحتاج لها الشركات المستثمرة التي جنت المليارات من الأرباح. لابد من مراجعة ما أنفق على الصحة. ما هو الحل الذي تقدمه الحكومات والمنظمات اليوم للمواطن؟ الحجر أو العزل ليس فقط لحمايته وإنما لحماية المستشفيات والمستوصفات التي لا تستطيع استيعاب أعداد كبيرة من المرضى. هنالك تغيرات كبرى في مجتمعات اليوم تؤثر كثيرا على السياسات الاقتصادية منها ما يحصل بشأن الكورونا. شباب اليوم بين 24 و39 سنة يرغبون في التقاعد باكرا وبالتالي يرغبون في الادخار وليس الاستهلاك تحضيرا للتقاعد. يؤثر هذا الواقع على نسب النمو التي هي أقل من الماضي حيث كان الاستهلاك سيد الموقف. هذا يعني أن تخفيض الفوائد كما يحصل من قبل المصارف المركزية لن يشجعهم على الاستهلاك لأنهم لا يريدونه. لذا السياسات النقدية غير فاعلة اليوم كما كانت في الماضي والمطلوب تحرك السياسات المالية كما فهمته إدارة الرئيس ترامب الذي سيرسل مباشرة أموالا إلى الأفراد الأمريكيين. الفوائد في أمريكا تقارب الصفر ولا تأثير يذكر لها، لذا سيقدم المصرف المركزي على شراء سندات الخزينة من الأسواق وضخ النقد. كذلك سيفعل المصرف المركزي الأوروبي للأسباب نفسها بينما تنفذ الحكومات تحفيزات مالية في كل دولة. الخطر الأكبر على استمرارية الأنظمة الديمقراطية يأتي اليوم في الدول الغربية ومنها. قال أرسطو «إن المجتمعات المؤلفة من أقلية أغنياء كبار وأكثرية فقراء لا يمكن أن تكون حرة. فهي مجتمعات مؤلفة من أسياد وأزلام وبالتالي لن تكون مستقرة». قال كارل بولانيي «إن انتصار المجموعات المتطرفة انتخابيا يعود إلى رفض الأحزاب الديمقراطية تنفيذ الإصلاحات». يتابع «إن ترك أنظمة السوق تعمل دون رقيب أو حسيب يؤدي إلى قتل حرية الأسواق وشفافيتها». أتت الكورونا لتثبت للعالم أجمع أن ما بنته الحكومات، كل الحكومات، لم يكن كافيا بل هش.