سيبدأ العالم من الآن بالتغير بعد الأزمات الأخيرة سواء كانت بسبب فيروس كورونا أو حالة نقص الكثير من الإمدادات في مختلف السلع على مستوى العالم والتي تضررت منها بشكل كبير الدول التي تعتمد على الاستيراد في سد احتياجاتها وعلى العكس كان من أكثر المستفيدين الدول التي كانت من ضمن تحالفات تجارية قائمة بالفعل وقوية وكان من أهم التحالفات التي لعبت وستلعب دورا كبيرا في خريطة التجارة العالمية في الفترة المقبلة هم دول مجموعة الآسيان وهم من أهم التحالفات التجارية الآن على مستوى العالم. دول مجموعة الآسيان هو تحالف سياسي اقتصادي الهدف منه هو تسريع وتيرة النمو الاقتصادي الاجتماعي وتعزيز السلام والأمن في جنوب شرق آسيا، تشكل في البداية من قبل كل من (إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند) في أغسطس عام 1967 ثم توالى بعدها انضمام العديد من الدول بروناي، فيتنام، لاوس، ميانمار، كمبوديا، وبذلك أصبحت الآسيان تضم عشر دول، ثم في عام 2015 أنشأت الرابطة تجمع الآسيان ووقعت إعلاناً لتأسيس تكتل اقتصادي موحد بشكل رسمي في إطار إنشاء منطقة تجارة حرة تخدم 650 مليون فرد. وتعتبر الآسيان السابع عالميا من حيث حجم الاقتصاد، يصل حجم الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول ما يقارب 4 تريليونات دولار ويبلغ حجم صادراتها 1.37 تريليون دولار وتصل حصتها من الصادرات عالمياً إلى 7.8% وبلغ حجم وارادتها 1.29 تريليون دولار. ولكن ازدادت هذه المجموعة قوة في الآونة الأخيرة بعد انضمام كل من (الصين- الهند - أستراليا - اليابان - كوريا الجنوبية - نيوزيلندا) على شكل تعاون أو اتفاقيات أو شراكات إستراتيجية واقتصادية بقيادة الصين وتم الوصول إلى تقدم كبير في هذه الاتفاقيات ما بين الدول الـ 6 الكبار والآسيان ليشكلوا أكبر اتفاقية تجارة حرة بالعالم وسيصل حجم الناتج المحلي لهذه الدول مجتمعة إلى ما يزيد على ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي وسيخدم هذا التكتل أكثر من 3.5 مليار نسمة، أي ما يوازي نصف العالم تقريباً وتسعى الصين الآن إلى وصول حجم التجارة ما بينها وبين مجموعة الآسيان الأساسية إلى 2 تريليون دولار وحجم استثمارات يصل إلى 200 مليار دولار في هذه الدول. والملفت للنظر هو سعي روسيا للانضمام إلى هذه المجموعة من خلال، أولا الاتحاد الأوراسي بزعامتها (دول الاتحاد السوفيتي سابقا) للدخول في اتفاقيات تجارية وأمنية، هذا من جانب، وثانيا تدخل بشكل منفرد إلى هذه المجموعة من خلال أيضا شراكات إستراتيجية وأمنية واقتصادية وقد وقعت بالفعل على اتفاقيات تتضمن الأمن السيبراني وأخرى عسكرية. والأمر لم يتوقف عند هذه الدول، بل نرى مساعي قوية لتركيا وإيران وكندا للانضمام إلى هذا التكتل الضخم من خلال شراكات اقتصادية وتجارية ضمنوا من خلالها سوقا جيدا لمنتجاتهم وستكون شراكة في شتى المجالات المختلفة. وفي النهاية بعد استعراض مصغر لمرحلة تكوين هذه المجموعة وقوتها وكيف أنها استطاعت أن تصبح رقما مهما في المعادلة التجارية العالمية من خلال اتحادهم مع بعضهم البعض ومساعي انضمام كبار الدول إليها من خلال شراكات واتفاقيات ولذلك كان لابد أن نخرج ببعض الدروس المستفادة من هذا التكتل لربما تستطيع الدول العربية أن تكون يوما ما مثل هذا التجمع الكبير: 1- أنه لا مكان الفترة المقبلة للدول التي ستعيش منعزلة من غير الدخول في تحالفات قوية وتحديدا التجارية. 2- الاختلاف الجغرافي أصبح الآن ليس عائقا للدخول في تحالفات تجارية. 3- الدول الصغيرة استطاعت أن تبني تكتلا كبيرا يكون له كلمة هامة في حركة التجارة العالمية واستطاعت أن تضم العديد من الدول الكبرى التي تسعى للدخول في هذا التكتل. 4- مبدأ المصلحة العامة والتعاون للجميع هو الذي سيسود في النهاية ولا مكان للسيطرة أو العيش على إنجازات ونجاحات الماضي. 5- رغم اختلافات الثقافات والأديان إلا أنه استطاعت هذه الدول أن تكون تكتلا تجاريا ضخما سواء من الدول الأساسية أو الدول التي تسعى للانضمام من خلال شراكات إستراتيجية. وأتمنى بعد سرد بعض الأرقام عن هذا التكتل أن تصل دول الشرق الأوسط والعربية إلى مثل هذا المستوى من التعاون والتكتلات الضخمة التي أصبحت رقما هاما في المعادلة العالمية بدلا من التراجع على جميع المستويات الذي وصلنا اليه.