سيطرة القوي واضحة

تأخذ الصراعات السياسة الدولية مظاهر مختلفة لا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية والزيارات، وانما تصل الى المقاطعة التجارية ووضع عقوبات اقتصادية استثمارية قاسية تؤثر سلبا على مصالح الدول والمؤسسات وأحيانا الأفراد. العقوبات الاقتصادية تشمل أيضا الهبات والمساعدات المالية والتقنية والانسانية، وبالتالي يمكن أن تكون مؤلمة في الدول المعاقبة. مشكلة هذه العقوبات الاقتصادية انها تؤثر عموما على الضحايا أكثر من المذنبين، فيتضرر البريء أي الأطفال والشيوخ والمعاقين والمرضى بينما يفلت المذنبون. هل هذا مقبول خاصة وأن العقوبات وان بررت سياسيا لا يمكن أن تبرر انسانيا؟ نرى أحيانا صورا مؤثرة جدا لأطفال في الدول المعاقبة في أوضاع سيئة ليس فقط بسبب غياب الغذاء في الكمية والنوعية، وانما بسبب غياب الأدوية والقدرة على المعالجة في المستشفيات التي تفتقد عندها الى الأدوية والمعدات. ما ذنب هؤلاء الضحايا الاحياء ومن يحاسب من ومن المسؤول؟ تدخل العقوبات الأخيرة الموضوعة على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية ضمن هذه العقوبات القاسية التي تؤثر على الاقتصاد كما على المواطن العادي والشركة. لا شك أن الولايات المتحدة هي الدولة التي تستعمل سياسات العقوبات أكثر من أي دولة أخرى. تضع عقوبات على من يخالف مصالحها أو من يهدد في رأيها السلم الأهلي أو العالمي أو من يسبب الأذية للشعوب. تضع الولايات المتحدة اليوم عقوبات على روسيا وايران وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية وغيرها لأسباب متنوعة ومختلفة. كما تضع عقوبات على العديد من المؤسسات والشركات والشخصيات التي تدعم في رأيها الارهاب أو تقوم بالتجارات الممنوعة خاصة في المخدرات والأسلحة والبشر والحيوانات وغيرها. تضع الولايات المتحدة عقوبات على أفراد لتمويلهم جمعيات معينة أو قيامهم بأعمال فساد أو غيرها من النشاطات المضرة في رأي الأميركيين بالسلم الوطني أو العالمي.     هنالك من يسأل كيف أن العقوبات التي وضعت على كوبا مثلا لعقود، أي على دولة صغيرة فقيرة جنوب دولة عظمى غنية، لم تنجح في اسقاط ادارة البلد أي تغيير نظام فيدل كاسترو المستمر مع قيادات أخرى؟ لا شك أن من أبقى كوبا تحت الحكم الكاستري هي المساعدات السخية أولا من الاتحاد السوفياتي وثم من الصين وروسيا بعد ان سقط الاتحاد. مدت الدول الشيوعية كوبا بمختلف المساعدات العسكرية والانسانية والتكنولوجية وغيرها تحديا للولايات المتحدة. استمرت الولايات المتحدة بعقوباتها ليس فقط لايذاء النظام الذي يجاهر علنا بعدائه للجار الشمالي وانما لارضاء الجالية الكوبية القوية في مختلف أرجاء الولايات المتحدة وخاصة في فلوريدا. لا ننكر أبدا الدور الذي لعبه كاسترو في ابقاء التحدي الأميركي الداخلي قائما، حيث جاهر بالعداء لأميركا.     الدول الكبرى لا تقبل دولا صغيرة بجانبها لا تخضع لها بطريقة أو أخرى. هذا هو حال كوبا وكذلك أوكرانيا مع روسيا. في أوروبا وآسيا وغيرها، هنالك حالات مشابهة وان لا تكون بنفس درجات السيطرة بسبب غياب القوة الكبيرة. لكن الأمثلة موجودة والمبدأ نفسه.