في ظل حالة الركود الاقتصادي «النسبي» لدول الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها الصين ومن ثم انخفاض الطلب العالمي على الطاقة، فقد زاد التنافس الدولي على محاولة غزو سوق الغاز الأوروبية، لذا فقد ربط الكثير من الخبراء في شؤون الطاقة بين العقوبات الأمريكية الأخيرة على روسيا والمستهدفة لقطاع الطاقة والذي كان بعيدًا عن كافة العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها الدول الغربية على روسيا في أعقاب الأزمة الأوكرانية، وبين التنافس والتصارع للظفر والانفراد بسوق الغاز الأوروبية. هذا ولقد بلغت إمدادات الغاز الروسي لأوروبا في النصف الأول من هذا العام مستويات قياسية تجاوزت 42% من واردات القارة العجوز «وفقًا لتقارير المفوضية الأوروبية»... فيما تؤكد هيئة الطاقة الدولية أن إنتاج الغاز الصخري الأمريكي بدأ يتضاعف اعتبارًا من عام 2005 وبسرعة فاقت كثيرًا احتياجات الاستهلاك المحلي، بما أتاح للكونجرس الأمريكي السماح بتصدير فوائض الغاز إلى الخارج، وهي الدولة التي كانت فيما مضى أكبر مستورد للغاز والنفط في العالم «وفقًا لوزارة الطاقة الأمريكية». ولقد اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية على تصدير الغاز عبر خطوط أنابيب تربطها بكلً من كندا والمكسيك، بالإضافة إلى عدد محدود من الناقلات من ألاسكا، إلا أنها دشنت في العام الماضي عبر شركة «شينيار إينرجى» أول محطة لتسييل الغاز في منطقة سابين باس بولاية لويزيانا في جنوب البلاد بحيث تسمح هذه المحطة بتصدير الغاز الأمريكي بواسطة الناقلات التي قامت بنقل 18% من الكميات التي انطلقت منها إلى السوق الأوروبية، مما شجع السلطات الأمريكية لتشييد أربعة مشروعات أخرى في تكساس ومريلاند على الساحل الشرقي للبلاد. ويؤكد خبراء «مركز الأبحاث والتحليلات الأمريكي» على أن القسم الأكبر من الغاز الأمريكي المنقول على متن الناقلات كان موجها في البداية إلى دول القارة الآسيوية حيث الأسعار الأعلى، إلا أنها غيرت توجهها إلى السوق الأوروبية للتمتع بميزة انخفاض تكلفة النقل.... وهو الأمر الذي دعا الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» إلى الثناء على وصول أول شحنة من الغاز الأمريكي إلى بولندا، ومؤكدًا أنه سيكون هناك المزيد من الشحنات والمنافسة مع واردات الغاز الروسي لبولندا وغيرها من الدول الأوروبية. إلا أن الكثير من الخبراء قد حذروا بأن شركة الغاز الروسية العملاقة «جاز بروم» لن تسمح بسهولة بتراجع حاد في حصتها من السوق الأوروبية، وأنها قد أسرعت بالفعل بتوقيع عدد من عقود التوريد طويلة الأجل مع بعض الدول الأوروبية في ظل تمتعها بأسعار أكثر انخفاضًا ومن ثم أكثر تنافسية. ولتهدئة المخاوف الروسية فقد أكد مسؤولو وزارة الطاقة الأمريكية على أنهم لا يسعون إلى إحلال الغاز الأمريكي محل الغاز الروسي في السوق الأوروبية بشكل كامل والمقدر سنويًا بنحو 180 مليار متر مكعب، وإنما هدفهم الحصول على شريحة معقولة من هذه الحصة بالإضافة إلى حصة أخرى من الغاز البريطاني والهولندي الذي بدأ إنتاجه في التراجع، وفي مرحلة قادمة الإحلال محل الغاز النرويجي، مع إدراكهم التام بعدم اعتماد أوروبا على الغاز الروسي فقط وإنما اعتمادها وبدرجة كبيرة على الغاز الوارد من قطر والنرويج والجزائر.