المدن والزيادات السكانية

لا يمكن بناء اقتصاد حديث من دون مدن متطورة تشكل الثقل المعنوي والمادي للدولة. هنالك فوائد للمدن الكبيرة أهمها التلاقي والاستفادة من الطاقات البشرية في الجامعات ومعاهد البحوث. تسمح المدن الكبرى للأفكار الجديدة بأن تظهر وتنفذ وهذا مهم جدا للتقدم. هنالك مقومات سلبية تعود إلى زحمة السير وتكلفة السكن والتحديات الصحية. تكلفة السكن تهجر الفنانين والحرفيين والمؤلفين والشركات الصغيرة الذين يشكلون الركيزة النوعية للحياة المدنية. هنالك أسئلة عدة تواجه المسؤولين في المدن خاصة في الدول النامية، أولا هل يمكن تفعيل الإنتاجية للسماح بزيادة الدخل؟ ما الفائدة للمواطن من السكن في المدن إذا كان الفقير سيزداد فقرا؟ من ناحية أخرى، وجود الفقراء في المدن يمكنهم من إيجاد فرص عمل. هذا التواصل الإيجابي مهم لكنه يسهل في نفس الوقت انتقال الأمراض بين السكان بسبب التقارب الوظيفي في المعامل والشركات في دول غير مجهزة عموما بالإنترنت السريع والتكنولوجيا المتطورة. معظم الدول تحتوي على العديد من المدن الأساسية. مستقبل الاقتصادات هو مدني لأن الإنسان ما زال يرغب في العيش فيها بالرغم من الاكتظاظ والضجيج والتلوث. الريف والقرى يبقيان مهمين للزراعة والصناعة وحتى السياحة، لكن الثقل الاقتصادي لا بد وأن يكون في المدن الكبيرة كنيويورك والقاهرة ولندن. الدول النامية تهمل تطوير حدائق خضراء داخل مدنها تسمح للمواطنين والأطفال بالتنزه والتنفس الصحي. بناء مدن الأسمنت كارثي، وهنا يكمن دور التنظيم المدني في الوقاية والمعالجة. من الممكن اعتبار الموضوع المدني الأهم للدول النامية، إذ يؤثر على التوازنات المالية والاقتصادية كما الاجتماعية. وضع المدن مهمل فيها عموما حيث التحديات الاقتصادية والصحية كبيرة ومتراكمة. التزايد السكاني فيها هو الأعلى ويتوزع بشكل فوضوي في أحيائها. التزايد السكاني في الدول الفقيرة هو الأعلى ويتم بالتزامن مع انحدار القدرة الشرائية والمعيشية للمواطنين. زيادات سكانية كبرى بالإضافة إلى تدني الإمكانات المادية يشكلان سويا قنابل موقوتة لا بد وأن تنتج "سترات صفر" أو أسوأ. كيف تتم المعالجة؟ عبر توعية المواطنين حول الزيادات السكانية، وثانيا عبر تحسين الخدمات الاجتماعية والصحية مما يسمح بتشكيل ثروة بشرية فاعلة ومنتجة. تشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان المدن في القارة الأفريقية سيتضاعف 3 مرات بين سنتي 2018 و2050 مما يخلق مشاكل كبرى معيشية وبيئية وسكنية وأمنية. الهند والقارة الأفريقية ستشكلان ثلثي الزيادات السكانية العالمية في المدن بين 2018 و2050 أي من 4,2 مليار شخص إلى 6,7 مليار في 2050. تشير هذه الإحصائيات الأممية إلى تغيير كبير في الخريطة السكانية العالمية بين الدول من جهة، وداخل الدول من جهة أخرى أي التوزع بين المدن والريف. المدن تكبر لكن نسبة الفقر ترتفع معها، مما يزيد من خطورة السلم الأهلي. طبعا لا يمكن وصف هذه الحقائق بالإيجابية، لكن يجب التعامل معها ومع نتائجها بعناية كي تكون التأثيرات على الاقتصاد الدولي الأقل سوءا.