سِعر المُنتجات.. أولى مراحل البيع والتسويق

غالبا ما تبدأ الشركات أعمالها بعد دراسات واحصاءات متنوعة‘ وفي معظم الأحيان يكون في خِططها وتوقعاتها المُستقبلية أرقام وبيانات لأرباح ناتجة عن إيرادات مُختلفة تتعلق بشكل أساسي ببيع المنتجات أو تقديم الخدمات، وبما أن قيمة الإيرادات العامة للشركة تتكون من عدد وحدات المنتجات المُباعة مضروبا في سعر كل وحدة، فقد كان لفكرة تسعير المنتجات وتحديد قيمتها أهمية كبيرة لدى التجار، فها هو أحدهم يضع سعرا لا يتناسب مع تكاليفه ومصاريف بيعه المٌتنوِعة فيُنهي سنته ليجد نفسه قد خسِر بعضا من مالِه، وها هو الآخر يحاول أن لا يعيد نفس التجربة السابقة فيرفع أسعاره ويبالغ بالتسعير دون أن يدري وهو ما يجعله وفي النهاية واقفا أما منتجات بطيئة أو حتى عديمة الحركة توصله دون أن يدري لنفس النتيجة السابقة، فبالرغم من الاختلاف التام بين ما قام به كل من التاجريين السابقين في تجارتهما الا أنهما مُتفِقان، فكلاهما ليس راضيا عن تجارته أو على الأقل كلاهما لم يحقق ما يحلم به من إيرادات أو أرباح وهو الهدف الأساسي الذي تقوم لأجله أي شركة او مؤسسة بل هو الهدف الأهم الذي تُقاس على أساسه نجاحات التُجار والمُدراء. توالت الأزمنة وتبدّل التجار وأصبح مفهوم التسويق هو العامل الحاسم في البيع والترويج بل وباتت عملية الدعاية والاعلان توازي بأهميتها عملية الانتاج في بعض الأحيان، وهنا ظهر وبشكل واضح دور وأهمية عملية التسعير والاختيار المناسب للأسعار، وهو ما أخذنا الى السؤال المهم، ما هي عملية التسعير، وما هي استراتيجياتها وطُرُقُها؟ وكيف تستفيد منها المؤسسة أو الشركة؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإن تعريف عملية التسعير هو الإجراء الذي تقوم بمقتضاه الشركة بتحديد السعر الذي ستبيع به منتجاتها وخدماتها، وهو ما أصبح في الغالب ومع تطور مفهوم التسويق جزء من الخطة التسويقية لأي شركة وذلك باعتبار أن عملية التسعير واحدة من ركائز علم التسويق الأساسية والتي تشمل أيضًا تعريف المُنتج وطُرق الترويج واختيار مكان البيع والانتاج، وبالتالي وباختصار فإن عملية التسعير هي عملية تحديد أو تغيير سعر المنتج أو الخدمة التي ستقوم الشركة بتقديمها للتُجار أو المُستهلكين، وهنا تجدُر الإشارة الى أن الشركة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار وقبل تحديد السعر النهائي لأي مُنتج من مُنتجاتها العديد من المُتغيرات والعوامل التي من أهمها: تكلفة الإنتاج أو التصنيع، مكان ونوع السوق الذي سيتم فيه بيع المنتجات، القوّة الشرائية للمستهلكين، طبيعة وعدد المنافسين المتواجدين وقُدراتِهم الانتاجية، حالة السوق وتقييمات الاقتصاد العام، عُمر المُنتج بالأسواق ومدى شُهرة علامته التجارية، جودة المُنتج وأهميته وغيرها الكثير والكثير من العوامل الأخرى وهو ما يُحوِّل من هذه العملية البسيطة الى قرار مُهِم يحتوي على مجموعة من الإجراءات المُعقّدة والمهمة والتي تحمل في طيّاتِها مفتاحا واحدا يصلُح لفتح باب النجاح أو باب الفشل لِنفس الشركة، وهو الأمر الذي جعل المتابعين يطبِّقُون العديد من طُرُق وسياسات التسعير المُختلفة التي من أهمها ما يلي:  سياسة كشط السوق وهي سياسة تقوم الشركة على أساسها بطرح المنتجات الجديدة أو الغير مألوفة في الأسواق بأسعار مرتفعة جدا وبعد ذلك بفترة تبدأ الشركة في الخفض التدريجي للأسعار بهدف الوصول لشرائح جديدة من المُستهلكين خاصة مع بداية ظهور منافسين بالأسواق ومن أهم ميِزات هذه السياسة هي تحقيقها لأرباح مُرتفعة في بداية فترة بيع المُنتجات بالإضافة الى عملية الانتشار الواسع الذي تساعد عليه هذه السياسة خاصة عند البدء بتطبيق عمليات تخفيض الأسعار لاحقا. سياسة التسعير على أساس مكانة الشركة أو المنتج وهي السياسة التي تعتمد على فكرة الربط بين سعر المُنتج وجودته في أذهان بعض المُستهلكين وهو ما يجعل الشركة تقوم بالتسعير على أساس اقتناع بعض المُستهلِكين بفكرة أن السعر العالي يعني بالضرورة جودة أعلى، وهو ما يتم عادة عبر شركات قيادية ذات علامة تجارية مشهورة وموثوقة مثل سيارات الرولز رايس أو الفيراري مثلا. سياسة الأسعار السائدة وهو أن تقوم الشركة بتحديد أسعارها بناء على أسعار المنتجات المنافسة والمتوفرة بالسوق وخير مثال على هذه السياسة يكون في المنتجات الاستهلاكية السريعة مثل الماء والخبز مثلا. سياسة أسعار البقاء وهي الأسعار التي تتبعها بعض الشركات وتعتمدها في فترات معينة ويكون الهدف منها ضمان بقائها واستمراريتها في سوق العمل وهي غالبا ما تكون في فترات الازمات او حالات الركود الكُبرى والتي تعاني منها بعض الشركات من نقص في إيراداتها أو مبيعاتها. سياسة الأسعار النفسِيّة وهي سياسة تعتمد على بعض الحِيل النفسية التي يتم تطبيقها على المُستهلك وخاصة في متاجر التجزئة الاستهلاكية حيث نجد بعض أسعار السلع تعتمد على كسر أسعار مُعينة ولو بفروقات بسيطة وذلك بهدف تحفيز ذهن المُستهلِك للشراء مع إعطاء انطباع بأن السعر أقل من المُعتاد، مثل أن نجد مثلا حذاء بسعر 199 ريال او أي منتج آخر بسعر 1.99 ريال. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أن عملية التسعير قد لا تأخذ وقتا طويلا في أذهان الكثير من التُجِار والبائعين ولكن هذه العملية قد تكون دون أن نشعر هي السبب الأول والأهم لشراء أو بيع أي من المُنتجات وخاصة الاستهلاكية منها وهو ما يجعلني أنصح وبشكل مباشر بأن تقوم الشركات التي تعمل في مجال التجارة والبيع بتكثيف جهودها في هذا المجال، علما بأن عملية التسعير يجب أن تخضع لمراجعات دائمة ومتكررة للحفاظ على الحصة السوقية لأي منتج، وهنا أتذكر مقولة الكاتب الاقتصادي " بيتر دراكر" حين قال " أينما وجدت تجارة ناجحة فهناك حتما من اتخذ قرارا شجاعا".