الثورة الرقمية. ثورة ثقافية؟

تسببت جائحة "كوفيد١٩" في خسائر جسيمة أخذت أبعادا واسعة، بشرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تمثلت في وفاة الملايين وإصابة مئات الآلاف وإفلاس شركات ومسرحين وانكماش اقتصادات واستنزاف الكثير من الموارد هذا فضلا عن سلسلة من الأضرار الجانبية وأخرى غير مباشرة أصابت بلدانا وشرائح وأسرا وأفرادا، وقيما وأعرافا قد لا تعود كما كانت سابقا، ومن بين تلك الأضرار توقف سلسلة إصدارات "عالم المعرفة" وكتبها الشهرية الثمينة والقيمة - التي كنت أحرص على متابعتها واقتناء نسختي دوريا من منافذ البيع - عن الصدور، والتي تعد بحق مصدرا مهما ومرجعا لكل باحث وقارئ وطالب للعلم والثراء المعرفي، في مختلف التخصصات والمجالات العلمية والفكرية والإنسانية، وقد استعنت بعدد منها وقدمت قراءات وملخصات عنها في مقالات نشرتها "لوسيل" في أعداد سابقة، وما أتطلع إليه بحق أن تعاود هذه السلسلة إصداراتها قريبا، وأن يكون التوقف مؤقتا والخسارة آنية. كتاب "الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟" واحد من الإصدارات المهمة التي قدمها "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" لقرائه، وهو من تأليف "ريمي ريفيل" وترجمة "سعيد بلمبخوت"، حيث تشكل هذه الدراسات والأبحاث التي يعدها وينشرها علماء وكتاب ومتخصصون في جميع العلوم والمعرفة، مصادر ومسارات وتدفقات تسهم في تقديم حلول ومعالجات، أولا: للآثار والانعكاسات التي تلقي بظلالها علينا، جراء استخدامات تقنيات التكنولوجيا ومشتقاتها ومنتجاتها التي أصبحت جزءا أساسيا من حياتنا لا يمكن الاستغناء عنها في تنقلاتنا وتواصلنا مع الآخر، وفي تنفيذ أعمالنا وضمان سرعة إنجازها وفي استهلاكنا اليومي وتحقيق طموحاتنا وأهدافنا، بل وفي التعليم والقراءة والتثقيف والبحث عن المعلومات وإثراء المعارف، وعلاج الأمراض، والبناء عليها والاعتماد على برامجها وتسهيلاتها في تحقيق المزيد من التقدم والثورات العلمية.. ثانيا: لكون هذه الدراسات والاجتهادات البحثية تفتح آفاقا ومجالات أوسع وأرحب للاستفادة بشكل أكبر وأعمق بما في أيدينا من وسائل وأدوات وبرامج وأجهزة وآلات تقنية لا حصر لها، ويمكن أن تساعدنا في جوانب ومجالات أخرى من حياتنا لم نكن منتبهين لها في السابق، وهكذا نكتشف بأن العلم في الغرب والدول المتقدمة على العموم يخدم ويرفد بعضه ويعزز الازدهار والرخاء والتقدم والمعرفة. هذا الكتاب الهام في موضوعه يطرح، "العديد من التساؤلات، من قبيل مزايا انتشار المعلومة وتأثير التكنولوجيات الحديثة على تصرفاتنا الشخصية والجماعية، وتقييم كيفية التصرف والتفكير والمعرفة. ويرمي إلى توضيح ما هو الرقمي بالنسبة إلينا "كأفراد"، وبالنسبة إلى غيرنا "كمجتمع"، وهل يعزز، كما يؤكد على ذلك دائما، أحد أشكال المؤانسة الجديدة "عبر الربط"، و"التعبير" للأفراد: تعليق، أو حوار أو إبداء الرأي؟"، ثم يتساءل عما يغيره الرقمي عند الولوج إلى المعرفة، والمعلومات "المعطيات، والمؤلفات، والأفلام.. الخ"، هل يشجع شكلا جديدا من الإبداع، وتبادلات جديدة للمضمون وإنتاجات ذاتية "موسيقى، وأفلاما، وألعاب فيديو؟" وهل يشكل مصدرا حقيقيا للتجديد الثقافي؟ ويتطرق إلى ما يغيره الرقمي مع الوصول إلى المعلومة "بمعنى الخبر"، وما يتعلق بالآراء والتمثيلات في المجال السياسي، وهل يعمل على تيسير نقاش الأفكار، ومزيد من التحاور، وتوسيع المجال العمومي، والديمقراطية التشاركية؟..." وحول تلك التساؤلات تدور فكرة الكتاب، الذي يسعى إلى وضعنا أمام حقيقة أن "الثورة الرقمية" أسهمت بقوة في بروز الإبداع الثقافي بمختلف أشكاله وأنواعه على المستويين الفردي والجماعي، وبأن الثورة الرقمية قادتنا إلى ثورة أخرى وهي الثورة الثقافية.