تعتبر تجربة «الاتحاد النقدي الأوروبي» التي أثمرت ميلاد عملة جديدة هي «اليورو» مطلع العام 1999 أشهر الاتحادات النقدية المعاصرة، فقد اكتسبت هذه العملة سمعة عالمية طيبة وحالة من اليسر النسبي قرابة عشر سنوات جعلتها العملة الدولية الأكثر منافسة للدولار الأمريكي في أكثر من مجال. ولكن هذا الأداء الجيد بدأ في التراجع فجأة مع بدء أزمة الديون اليونانية عام 2010، والتي ما لبثت أن امتدت إلى دول أخرى تراكم فيها الدين الحكومي مثل أيرلندا والبرتغال، معلنة بذلك انطلاق شرارة أزمة الديون السيادية التي أفزعت منطقة اليورو وجعلتها تواجه أزمة تعد الأخطر من نوعها. وتبعاً لذلك ثار نقاش وجدال واسعان بين السياسيين والاقتصاديين والمهتمين بشكل عام، سواء داخل أوروبا أو خارجها، حول مدى قدرة اليورو على الاستمرار وأكثر من ذلك حول جدوى وجود هذا الاتحاد النقدي. وفي سبيل إنقاذ هذا الاتحاد النقدي اتخذ قادة منطقة اليورو إجراءات تكميلية هامة تمثلت بإقرار مشروع الاتحاد المصرفي لتوحيد أطر الرقابة والإشراف المصرفي في كامل بلدان الاتحاد وذلك بغرض قطع العلاقة بين أزمة المصارف والديون السيادية ومن ثم تحقيق الاستقرار في منطقة اليورو. ومن المفترض أن تسمح هذه الوحدة المصرفية بإيقاف انخفاض الثقة في كامل المنطقة، وخفض تكلفة الاقتراض بالنسبة للبلدان التي تشهد ضغوطا كبيرة على أسواقها المالية، بما يسهم في معالجة مشكلة النمو المنخفض وتقليص خطر العدوى في كامل منطقة اليورو. ورغم أن التكامل الاقتصادي الإسلامي لا يزال حلما بعيد المنال، وحتى التكامل النقدي الخليجي لم يرَ النور بعد بالرغم من التقدم الكبير الذي حققه مشروع قيامه، إلا أن ذلك لا يمنعنا من استخلاص أهم الدروس المأخوذة من أزمة الاتحاد النقدي الأوروبي بغرض الاستفادة منها في بناء وتصميم الاتحادات النقدية الإسلامية بما يضمن فعاليتها واستقرارها، وأهم هذه الدروس ما يلي: - إقامة الاتحاد النقدي وإصدار عملة موحدة هي المرحلة التكاملية النهائية والمتوجة لمراحل تكاملية سابقة أخرى، تتمثل في كل من منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة. - لا معنى لتوحيد العملة ما لم يكن حجم التبادُلِ التجاري (التجارة البينية) بين البلدان الراغبة في الاتحاد كبيراً ومتنوعاً. - نجاح الاتحادات النقدية مرهون بقوة حركية انتقال اليد العاملة بين دول الاتحاد وكذا وجود الوحدة المصرفية - استمرار ونجاح الاتحادات النقدية يتطلب وجود آلية لمعالجة صدمات عدم التماثل الذي قد تصيب إحدى الاقتصاديات المشاركة في الاتحاد دون غيرها من الأعضاء. وختاماً.. فإن نجاح الاتحاد النقدي يستلزم تحقيق وحدة سياسية كاملة بين البلدان الأعضاء فيه، حتى يتوافر مشروع العملة الموحدة على ركيزة مستقرة في المستقبل لتنمية جميع الدول الأعضاء.