سيليكون فالي... صراع في الوادي

أنباء ثقيلة من وراء البحار، وسائل إعلام محلية وعالمية تتناقل الأخبار، مسؤولون مصرفيون وماليون من القارات السبع بما في ذلك القطب المتجمِّد الجنوبي يتحدثون ويناقشون الكثير من الإجراءات والتداعيات الكثيرة التي قد تُلقي بظلالها على جزء كبير من هذه الكرة الأرضية وشركاتها في حال انهيار أي من المؤسسات المالية الكُبرى في العالم، فما بالك إذا كان بنك عامل في الولايات المُتحِدة الأمريكية وهي الدولة التي تملك الاقتصاد الأكبر على وجه الأرض، نعم إنها قصة جديدة تكتُبها أيادٍ سوداء خلف كواليس الاقتصاد العالمي تحت عنوان "الإفلاس القادم" ليلعب دور بطولتها بنك "سيليكون فالي" أو "Silicon Valley Bank"، صورة مخيفة تعيد للأذهان ماضيا قريبا عانى فيه المستثمرون الكثير، وتهاوت فيه أسواق المال إلى الحضيض، خمسة عشر عاما مرّت على أزمة مالية كبرى عصفت بكل اقتصاديات العالم، فأغلقت المكاتب وصفَّت الشركات وسرّحت آلاف الموظفين من أعمالِهم، حتى بِتنا نتذكّرها اليوم ونعرِفُها باسم "الأزمة المالية"، نعم إنها حادثة لا تُنسى، جاءت لنا فيما مضى بأيام قاسية الملامِح الاقتصادية وعادت اليوم بشكل جديد أو باسم آخر لتتصدر المشهد الاقتصادي فتقف أمام أسواق المال والسِلع وهي تُلوِّح بيديها أمام جميع المُتداولين والمودعين بل وحتى المتعاملين مع بنك "سيليكون فالي" لتقول لهم وبكُل ثقة "نعم إنه التاريخ يعيد نفسه"، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو بنك "سيليكون فالي"؟ وما هي قصته وأسباب احتمال إفلاسه؟ وما هو تأثيره على الشركات وأسواق المال؟ وبالحديث المُباشِر عن عملية الإفلاس فإنه من المهم معرفة أن إفلاس هذا البنك هو الأكبر منذ إغلاق بنك "واشنطن ميوتشوال" للادخار عام 2008 وهو ثاني أكبر عملية إفلاس لبنك بالتجزئة في تاريخ الولايات المتحدة وهو الأمر الذي خلق موجة عارمة من الذعر انخفضت بموجبِها مؤشرات الأسواق الأمريكية ما بين 1-1.5 % في جلسة واحدة كان نصيب سهم البنك نفسه منها هو انخفاض سعره السوقي بما يزيد عن الـ 60 % في جلسة خسرت فيها أكبر أربعة مصارف أمريكية 52 مليار دولار من قيمتها السوقية في "وول ستريت". أما أسباب الإفلاس فهي وبكل اختصار أن بنك سيليكون فالي كان قد قام بداية عام 2022 بشراء سندات بقيمة 80 مليار دولار على أن تعطيه فائدة ثابتة قدرها 1.5 % وهو ما كان يُعتبر حينها عائدا ممتازا، حيث كانت قيمة الفائدة تقارب 0.5 % في البنوك الأمريكية، لتبدأ بعد عملية الشراء تلك ومُباشرة الحرب الروسية الأوكرانية والذي تلاها ارتفاع سريع في التضخم وهو ما دفع الفيدرالي الأمريكي لاعتماد سياسة تشددِيه رفع بها أسعار الفائدة 7 مرات خلال عام واحد لتصل قيمتها مع نهاية 2022 إلى ما يعادل 4.5 %. سنويا، وهو ما دفع المستثمرين لسحب استثماراتهم من كثير من البنوك وشراء أذونات الخزانة الأمريكية التي باتت من أكثر الاستثمارات جذبا وأماناً، فأنت بشرائها تُقرِض الحكومة الأمريكية التي بدورِها تضمن لك سعر فائدة ممتازا، هذه الخطوة أثّرت على مُعظم البنوك بما في ذلك بنك سيليكون فالي، أولا بأنها تسببت بانخفاض قيمة الاستثمارات التي كان يتم ضخها في البنك عبر المودعين بسبب توجهِهم لشراء تلك الأذونات، وبالتالي فقد انخفضت إيرادات البنك وقلّت أرباحه، ثانيا كانت بقيام بعض المستثمرين بسحب استثماراتهم وإعادة توجيهها لشراء تلك الأذونات، كل هذه العوامل ووجودِها في وقت واحد جعل البنك يعاني من أزمة سيولة حاول حلَّها عن طريق بيع جزء من السندات التي كان يملكها، ولكن ونظرا لِتدني عوائد هذه السندات مُقارنة مع السوق فقد خسر البنك فيها 1.8 مليار دولار وذلك بهدف توفير سيولة نقدية لسداد احتياجات عملائه، لكنه ولتعويض هذه الخسائر قام لاحقا بطرح أسهم جديدة بقيمة 2.2 مليار دولار في عملية اكتتاب جديد فشلت، فلم يتمكن البنك من الحصول على التمويل المطلوب، وهنا ظن المستثمرون أن البنك في حالة سيئة بسبب خسارة 1.8 مليار دولار وفشله في الحصول على التمويل الذي كان يطمح له، وهو ما خلق حالة من الذعر دفعت بالمودعين لمحاولة سحب أموالهم فطالبوا بسحب 42 مليار دولار في يوم واحد، وهو ما فاقم مُشكلة السيولة وسبَّب عدم القدرة على إعادة أموال المودعين وهو نفسه ما دفع المستثمرين لبيع أسهمهم في البنك خوفا من إفلاسه فانخفض سعره من 267 إلى 106 دولارات في جلسة واحدة، وهنا تدخلت الإدارة الأمريكية لوقف الذعر واحتواء الموقف وخوفا من حالات عدوى مُشابِهة، فأوقفت كل عمليات البنك على أن يستأنف عمله مع أول يوم عمل حيث باتت هي المسؤولة عن إدارة البنك وإعادة الأموال إلى المودعين. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن التاريخ غالبا ما يُعيد نفسه بطرق جديدة، فالاستثمار والادخار والإفلاس والنمو كُلها عمليات دائمة مُتجدِّدة، تعيش بيننا يوميا وتنتقل بأفراحها وخيباتها وكل ما تملك من يوم إلى آخر ومن بلد إلى آخر، فتبقى كما هي تحوم فوق رؤوسنا جاهزة للانقضاض على أحلام المُستثمرين والمودعين في أي لحظة ومكان، وهنا يأتي دور المُستثمر في التخطيط السليم والتحوُّط وتوزيع الاستثمارات والمخاطر بين الدول والقطاعات، على أن يكون الهدف الأول والأهم له هو الوفاء بالتزاماته وسداد ديونه لدائنيه قبل حصوله على الأرباح، فالنِّية هي نصف العمل، وهنا أستذكر مقولة جلال الدين الرومي الذي يقول "ما تبحث عنه، يبحث عنك".