البحث والتطوير.. أزمة أرقام أم أزمة ثقافة؟

كلما ازدادت حدة الأزمات الاقتصادية أو تكررت كلما ازدادت حاجتنا للأرقام. الأرقام التي باتت تشكل لغة العالم، إذ لا مكان فيه لأميّة العبارات الإنشائية ونصوص المجاملات، بالضبط كما لا قيمة لمجرد الكلام بأننا بعيدون عن تأثيرات هذه الأزمات والانهيارات الاقتصادية المجاورة، فالقيمة الحقيقية هي للأرقام فحسب. وأهميتها تأتي من كونها تمثل المادة الرئيسية للبحث والتطوير، لذا فإن الحديث هنا عن الأرقام سيكون متماشياً مع الحديث عن البحث والتطوير. إن التشابك المعُقَّد للاقتصاد، وتداخله مع السياسة والبيئة والصحة والاجتماع والتقنية وغيرها، يفرض علينا تحرراً من الأساليب البائسة التي لا تعطي للإحصاءات والأرقام دوراً في التخطيط للمستقبل، أو في مواجهة التحديات والأزمات، فالعالم يعتمد الأرقام في قراءة الواقع والتخطيط المستقبلي، ونحن ما زلنا نتوجس خيفة من المعلومة، فنخشى البحث عنها، فضلاً عن تحليلها وإطلاقها في الفضاء العام أو حتى الخاص. هناك مجموعة عوامل أدت إلى تخلُّفِنَا على مستوى الإحصاءات والأرقام كمقدمة رئيسية للبحث العلمي والدراسات، تتلخص هذه العوامل في: قلة ما يرصد في الموازنات للبحث والتطوير، ويبدو أن هناك توجّهاً لدى بعض الدول الخليجية لتقليص حصة البحث والتطوير انطلاقاً من حالة التقشف التي خلَّفَتها الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، وهو توجه غير رشيد، إذ تزداد الحاجة لتشجيع البحث العلمي الآن أكثر من أي وقت مضى. منظمة اليونسكو في تقريرها «نحو عام 2030» أشارت إلى أن الإنفاق على البحث والتطوير ارتفع بنسبة 31% على الصعيد العالمي بين عامي 2007 و2013 رغم أن العالم شهد خلال هذه الفترة أزمة هزت اقتصادات البلدان الصناعية. على صعيد دول المجلس، فإن الأرقام الخاصة بالإنفاق على البحث والتطوير نادرة وقديمة وهزيلة أيضاً. وليس أمامنا سوى أرقام البنك الدولي واليونسكو، التي تشير إلى أن قطر هي الدولة الوحيدة من بين دول المجلس التي خصصت للبحث والتطوير 2.8% من ناتجها المحلي الإجمالي لعام 2014. باقي دول المجلس تراوحت بين 0.04% في مملكة البحرين، و0.08% في المملكة العربية السعودية (وزارة التعليم العالي السعودية تذكر أن النسبة الصحيحة لعام 2011 هي 1%)، بينما خصصت دولة الكويت 0.3% وسلطنة عمان 0.17%، ولا تتوفر بيانات حول هذا الموضوع عن الإمارات العربية المتحدة. ضعف اهتمام المناهج التعليمية بالبحث العلمي أو بالإحصاء، فالمناهج يغلب عليها الإنشاء والتعبير، وهي تلقينية من الدرجة الأولى، وتعتمد الحفظ لا التحليل. هذا الضعف ينسجم مع مشكلة العزوف عن البحث العلمي بشكل عام. التوجس والنظر إلى النشاط البحثي باعتباره نشاطاً مضراً بالأمن الوطني، لذلك يصطدم كثير من الباحثين عن الأرقام والمعلومات بحواجز غير طبيعية، وبنظرات ارتياب وشبهات حول الغرض من البحث. انعدام التنسيق - في المجمل - بين المكونات الاقتصادية، وأحياناً انعدام الثقة، وربما مارس البعض دوراً تضليلياً بتقديم معلومات خاطئة نتيجة هذا التباعد. يقول أحد المعنيين بالإحصاءات في إحدى الجهات الرسمية الخليجية: إن نسبة الدقة في البيانات التي تتلقاها هذه الجهة من المصانع الخليجية لا تتعدى 20%، وهذا مؤشر خطير، ليس فقط لتأثيره السلبي على الأبحاث التي تبنى على هذه البيانات، والتي ينتظر أن تساهم في التنمية الصناعية، بل على مستوى العلاقة بين المكونات الاقتصادية. هناك حالة من عدم الثقة تحتاج إلى معالجة عاجلة. خلاصة القول: نحن بحاجة ماسّة إلى لغة نتواصل من خلالها مع المحيط الخارجي، هذه اللغة هي الأرقام التي تشكل قاعدة البحث العلمي والدراسات والتطوير. إن البحث العلمي يشكل الرافعة التي يمكن أن تنهض بالقطاعات الاقتصادية لدولنا، وتمُكِّنها من مواجهة عنفوان الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم. نحن بحاجة إلى رؤية عميقة ودقيقة للمستقبل من أجل مواجهة التحديات، ويقيناً فإن هذه الرؤية لا يمكن أن تتشكل دون أرقام.