سرقة مشروعة

إذا دخل أحدهم إلى بنك وأخذ المال من خزينة البنك وغادر به دون أن يكون المال ماله فإنه يطلق على ذلك سرقة، ويكون الشخص مدانا بعمل لا أخلاقي كبير وهو التعدي على حقوق المجتمع والكسب غير المشروع كما يدان جنائياً للسطو على المصرف. قد يبدو هذا الكلام طبيعياً ومسلما به للوهلة الأولى، ولكن السؤال: ماذا إذا قام البنك الفيدرالي الأوروبي أو الأمريكي بطباعة كميات كبيرة من النقود دون تغطية سلعية ولا إنتاجية ولا ذهبية ويقوم بضخ هذه الأموال في جيوب الأغنياء من أصحاب الشركات العظمى تحت مسمى زيادة عرض النقد؟، فلماذا لا تسمى هذه سرقة علما بأنها لا تختلف في المضمون عن السرقة الأولى بشيء؟، كما لابد من الذكر أنه إذا قامت دولة صغيرة بنفس الفعلة فإنها على الأغلب سوف تتعرض لمستويات تضخم عالية تجعل عملتها بلا قيمة، ذلك أن الدول الصغيرة لا تملك الدعم السياسي والعسكري لتغطية طباعة العملة، والنتيجة والشاهد أنه حتى المفاهيم يمكن التلاعب بها، فنفس الفعل إذا قام به شخص أو جهة يعتبر صحيحا وقانونياً، بل يدرس على أنه سياسة نقدية ومعيار يجب أن يتبع، وإذا قام به شخص آخر أو جهة أخرى يعتبر سرقة وتعديا وخروجا على النظام الدولي، وهذا هو بعينه ما يطلق عليه ازدواج المعايير. إنني لا أجد في الأنظمة الدولية إلا وسائل وأدوات وضعتها الجهات المتنفذة مالياً وسياسياً في العالم لتخدم مصالحها، فلا نظام إلا ما تقبله الفطرة بكل معاييرها المالية والاقتصادية والسياسية وكل مناحي الحياة، وأن الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي لابد أن يتم في إطار تحقيق المصالح المشتركة والتبادلية وليست مصلحة طرف على الآخر. وللوصول إلى ذلك لابد من بناء تحالفات سياسية براغماتية تعطي القدرة على التفاوض الاقتصادي والمالي وتسمح بنشوء حالة من التوازن الدولي في تحقيق المصالح. وأخيراً أن تدخل إلى البنك وتستولي على مبلغ كبير من المال هو أمر غير صحيح ولكن أيضاً لا نعتقد أن ما تقوم به المصارف الكبرى في العالم أمر صحيح أو حتى بعيد عن مبدأ الاستيلاء غير المشروع على المال العام، ففي النهاية كلها سرقة ولكن إحداها قد تم تشريعها، فانظر أي البنوك أقرب إليك، وإلى أن نلتقي هذه تحية.