الوقت الضائع في ساعة هارون الرشيد وشارلمان

فرحة عارمة وأصوات مُبتهِجة، رقصات تلقائية على دقات القلوب، تخطّى صداها العالم العربي الصغير بمساحته والكبير برجاله وتاريخه، ليصل الى العالم كله ويدور بها ابتهاجا وانتصارا لشعوب لم يعرف العالم الا حديثا انها تمارس الرياضة والفن، من دوحة الخير انتفض الرماد واشتعلت النار لتصبح نورا وضوءا ينير دروب المُهمَّشين على وجه كرة أرضية يتحكم في احلامها أصحاب الثروات المالية والتكنولوجية، احد عشر شخصا مؤمنين بأنفسهم وبما تربو عليه من عادات وتقاليد وأفكار، متمسكين بجذورِهم وأصولهم التي لو لم تكن قوية لما حملت كل هذه الاغصان والثمرات، احد عشر شخصا يدركون بأعماقِهم بأننا عرب كبار واننا وان كنا دولا نامية فنحن أصحاب قضية واهل تاريخ عريق صنعناه بأيدينا وعقولنا وسيوفنا عندما لزِم الامر، ونحن وان ظلمتنا الظروف وواجهتنا الصعاب الا اننا قادرون على تخطيها، وقفوا كتفا الى كتف فأدركوا وادركنا بتجاربنا السابقة والحاضرة بأن العالم بأسره صغير على أحلام الحالمين وبأن الوقت وإن طال وثقل علينا الا ان الفجر قادم والصبح قريب، عالم سِحري تقوده الساحرة المُستديرة جمعنا نحن العرب بقاداتنا وشعوبنا تحت اعلام متداخلة شكّلت في النهاية راية الوحدة والتعاون، لنُدرك جميعا بأنه وبالحقيقة " نعم، نحن نستطيع" بعقولنا وبمجهودنا وأخيرا بـ "وحدتنا التي هي مصدر قوتنا"، هي جملة سمعناها تكرارا كرّستها الدوحة قولا وفعلا لتكون هذه الأرض الطيبة هي مهدا لأول انجاز رياضي عربي بهذا المستوى تنظيما وتحضيرا، كرما وضيافة، امنا وسلاما، وأخيرا لعبا وانتصارات بهِمم مغربية فجّرت المفاجآت ووصلت وللمرة الأولى غربيا وافريقيا لمربع ذهبي على ارض الملاعب القطرية التي زينتها اعلام فلسطين ولبنان والسودان واليمن وغيرها الكثير والكثير، من شعوب تنتظر الفرحة منذ سنوات. قبل الخوض في بلاد المغرب وجمالها وثرواتها الاقتصادية لا بد من الإشادة بتلك الصورة الحضارية الغير مسبوقة التي احتفل بها لاعبو المنتخب المغربي مع امهاتهم وابائهم ليكرسوا بذلك صورة العائلة الحقيقية التي وان كنا نراها بسيطة وطبيعية الا ان دولا كثيرة كانت قد تفاجأت بها، فهي وبرغم حقوق الانسان بها لم تلتفت لحق من ربّى وكبّر ومن تعب وتحمّل، نعم انها العائلة ونحن العرب أهلٌ لها. أولا وقبل كل شيء فإنه من الجيد ان نلقى نظرة سريعة على معلومات اقتصادية سريعة حول مملكة المغرب الشقيقة، دولة عربية تقع في اقصى غرب شمال افريقيا يحِدُّها ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالا والمحيط الأطلسي غربا وكل من الجزائر شرقا وموريتانيا جنوبا، عاصمتها الرباط وأكبر مُدنها الدار البيضاء، مساحتها حوالي 710 آلاف كيلو متر مربع غنية بالفوسفات والثروات الطبيعية، ليتخطى ناتجها الإجمالي المحلي 310 مليارات دولار في العام 2018 يُشكل منها قطاع الخدمات حوالي 57% والصناعة 30% اما الزراعة فتصل مساهمتها الى 15%، عُملتها هي الدرهم المغربي وسُكناها يزيدون عن الـ 36 مليون نسمة حسب إحصاءات العام 2019، وهو العام الذي احتلت فيه المملكة وحسب إحصاءات المنظمة السياحية العالمية المركز الثاني افريقيا والمرتبة 35 عالميا على مستوى عدد السُياح الدوليين بحوالي 13 مليون سائح. وبالحديث عن قطاع الصناعة فمن المهم معرفة ان صناعة النسيج مكانة مُهمة لدى هذه الدولة لتتيح بذلك هذه الصناعة ما يقارب من 27% من مناصب الشغل و7% من القيمة المضافة للاقتصاد المغربي، كذلك فإن لصناعة السيارات دورا كبيرا ومساهمة أساسية حيث تم انتاج ما يقارب 400 ألف مركبة عام 2019 انتشرت في انحاء العالم المختلفة، كذلك فان كلا من صناعة الطيران والطاقة والصناعات الالكترونية وغيرها الكثير باتت اليوم جزءا مهما من هذا الاقتصاد. زراعيا فان الزراعة أو الفلاحة كما يسميها المغاربة مزدهرة في تلك الأرض حيث تُقدّر المساحة الصالحة للزراعة بها بحوال 12% من مساحة الدولة الاجمالية. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن أهمية هذا الإنجاز المغربي الكبير في كأس العالم 2022 تتخطى حدود الرياضة والإنجازات لتعيد لأذهاننا نحن العرب اننا دائما ما كنا فاعلين مؤثرين وبأن طاقات شبابنا الكبيرة الغير محدودة تستطيع تغيير ظروف احاطتنا، فنحن وكما كل شعوب الأرض من حقِّنا ان نحلم بأن نقود العالم ومن حقنا ان نعمل ونُنجز ونقف شامخي الهامات رافعين رؤوسنا اما كوكب ساهمنا بعطاءتنا في بنائه منذ الاف السنين، وهنا أستذكر مقولة "المعلِّق الرياضي الشهير"عصام الشوالي" التي الهب بها مشاعر العرب جميعا حين قال "نحن العرب، نحن مهد الديانات ورسالات السماء، نحن التاريخ والمستقبل، نحن الحضارة والثقافة، نحن بيت الشعر والقصر، نحن ممن تعلمتم منهم، ونحن من علَّمكم، واسألوا شارلمان عن ساعة هارون الرشيد، نحن لا ندّعي اننا الأفضل لكننا نرفض ان نكون الاقل " وسريعا فانه يُحكى بأن هارون الرشيد كان قد ارسل هدية لشارلمان وهو ملك الفرنجة في ذلك الوقت، وقد كانت هذه الهدية عبارة عن ساعة مائية من النحاس الأصفر بارتفاع حوالي الأربعة امتار، وهي وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنية يتبع بعضها البعض الآخر بحسب عدد الساعات فوق قاعدة نحاسية فتحدث رنينا جميلًا في أنحاء القصر الإمبراطوري، كما كانت الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منه فارس يدور حول الساعة ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه وعندما تحين الساعة الثانية عشرة يخرج اثنا عشر فارسًا مرة واحدة يدورون دورة كاملة ثم يعودون من حيث أتوا وتغلق الأبواب خلفهم، وهو ما جعل العلماء ورجال الدولة الفرنجة في ذلك الوقت يخافون من تلك الساعة ويكسرونها ظننا منهم بأنها تحمل في داخِلها شياطين وارواحا شريرة.