التطرف والتنمية

ينتشر الارهاب في كل مناطق العالم بالرغم من الاحتياطات المأخوذة في الأمن والنقل والحدود الجغرافية. ما حصل سابقا في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأسبانيا وغيرها مؤلم وأسبابه مختلفة، علما أن معظم الدراسات لا تربط الارهاب بالفقر. تحسين أوضاع الفقراء مفيد دائما ويجب أن يتحقق بهدوء. عمليات «بوكو حرام» في نيجيريا واختطاف الفتيات مثلا لا يمكن أن تساعد النمو الاقتصادي الأفريقي. مع الارهاب، تنتشر الأمراض أيضا في الدول الأفريقية مما يعيق عملية التنمية التي تحتاج اليها القارة بحيث يخف النزف البشري عبر المياه الى أوروبا. هذه النتائج السلبية تشير الى فشل السياسيين عمليا في قيادة العالم والى انتشار الفساد وعدم التنبه الى مشاكل الشعوب وخصوصا الطبقات الوسطى وما دون. الشعوب تتذمر اليوم كما تشير اليه الانتخابات في أميركا وأوروبا وآخرها البرازيل، الا أن الحلول غير متوافرة بعد وربما تسوء الأمور أكثر قبل أن تستقر الاوضاع ايجابا. يقول «جوناتان تيبيرمان» في كتابه عن الاصلاح أن السياسيين أهملوا معالجة العديد من الأمور ومن أهمها توسع فجوة الدخل حيث تساهم في زيادة الفساد وتنشر الفقر وتسبب الشغب الشعبي وتعزز القلق بل الخوف من المستقبل. تؤثر الفجوة سلبا على الاستقرار السياسي والنظام الديموقراطي والأسواق التنافسية الحرة. تؤثر سلبا على العمر المرتقب أي على مؤشرات الصحة والتعليم والتغذية. للأسف تستمر فجوة الدخل في التوسع عالميا مما لا يطمئن، حيث يتعزز التطرف المقلق كما ظهر مثلا في مدينة «شارلوتسفيل» في الولايات المتحدة. الأوضاع الاقتصادية العالمية اليوم تعزز التطرف والتصرف بعنف وكره يمينا ويسارا وعلى كافة المستويات. ما يحتاج العالم اليه ليس فقط نموا أعلى وتوزيعا أفضل لهذا النمو، انما إيضا تغييرا حقيقيا في الأنظمة الضرائبية وتعديلا في الهيكليات الاقتصادية داخل الدول. مواضيع الهجرة تأثرت سلبا في الدول المستقبلة للمهاجرين وفي طليعتهم الولايات المتحدة مع ترامب. هنالك موجة عدائية كبيرة تجاه من يحاول اللجوء الى أوروبا أو أميركا أو استراليا أو كندا أو غيرها. أميركا تحاول تغيير قوانين الهجرة لديها بالرغم من أن 60% من أفضل تقنيي «سيليكون فالي» هم من المهاجرين، وأوروبا أعادت بعض الحدود بين الدول التي غابت مع اتفاقية «شينغين». هنالك قلق من التغيرات الديموغرافية والثقافية المحتملة وتردد في المعالجات الداخلية والدولية. تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي العالمية OECD الى أن تحقيق نسبة نمو سنوية 3% في كل من أوروبا وأميركا خلال السنوات الـ 50 المقبلة يفرض على كل منهما استقبال 50 مليون مهاجر على الأقل. المعالجة الأفضل للهجرة الحالية تبقى غائبة، أي تحسين الاوضاع في الدول المصدرة للمهاجرين. الحلول المنطقية متوافرة لكن التطبيق متعثر. الأيديولوجيات الحالية المنتشرة متطرفة. مشاكل التطرف كبيرة، أهمها التأثير السلبي على النمو والتنمية والفقر. المطلوب قيادات واعية تساهم في تخفيف الشعور المتطرف ومعالجته وليس تأجيجه. الشعوب تصنع القيادات الجيدة، وبالتالي يبقى الأمل كبيرا في المستقبل.