هل الدعوى الجنائية أبدية؟

تعتبر الدعوى الجنائية بمثابة المطالبة التي يرفعها المجتمع بواسطة جهاز النيابة العامة في مواجهة أي فرد خرق قواعد أمنه واستقراره، وأتى فعلا إجراميا في حقه، سواء كان تكييف هذا الفعل جناية أو جنحة أو مخالفة. لكن هذه المطالبة التي يقيمها المجتمع في مواجهة من يرتكب في حقه جريمة لا يستساغ استمرار مفاعيلها عبر الزمان، يكفي إسناد تلك الجريمة للفاعل خلال أمد زمني معين لتتحقق الغايات المتوخاة من رفع هذه الدعوى، لذلك فإن المشرع أقر بأن الدعوى الجنائية مؤقتة من حيث الزمن، وتنقضي بناء على أسباب محددة بموجب القانون خصوصا المواد من 13 إلى 18 من قانون الإجراءات الجنائية. وهكذا تنقضي الدعوى الجنائية في الأصل بصدور حكم بات فيها، بمعنى أن صدور حكم حائز لقوة الأمر المقضي به وغير قابل لأي وجه من أوجه الطعن يعتبر بمثابة انقضاء لتلك الدعوى، أي أن المتابع بها إذا قضي في حقه بحكم نهائي بالإدانة أو بالتبرئة فإنه لا يجوز مرة أخرى إسناد نفس التهمة إليه بنفس الوقائع ونفس الأسباب، إعمالا لمبدأ عدم جواز العقاب مرتين عن نفس الفعل، أما إذا صدر في حق شخص حكما باتا في دعوى جنائية بخصوص أفعال في واقعة معينة تم النظر فيها، وأفعال أخرى في نفس الواقعة لم يتم النظر فيها فإن ذلك لا يخول إعمال انقضاء الدعوى الجنائية، لأن الحكم وقتئذ لا يكون باتا في الموضوع، لأنه تناول وقائع وأفعالا دون أخرى في حادثة واحدة كانت تستوجب رفع الدعوى الجنائية فيها جميعا. واستثناء قد تكون الدعوى الجنائية متداولة وتحدث وفاة المتهم، ففي هذه الحالة تنقضي الدعوى بسبب وفاته، ولكن يشترط أن تكون الدعوى ما زالت منظورة أمام القضاء ولم يصدر فيها حكم بات. ولا يقصد بالحكم البات مجرد حكم من أية درجة قضائية، بل يشترط أن يكون الحكم غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن حتى لا يعتد بانقضاء الدعوى للوفاة، أما إذا حصلت الوفاة بعد صدور حكم ما زال يقبل الطعن فيه فإن الدعوى تنقضي بوفاة المتهم. واستثناء أيضا تنقضي الدعوى الجنائية بحصول المتهم على العفو العام، ويقصد به تلك الصلاحية المخولة لأمير البلاد بإسقاط العقوبة أو وضع حد لها، فعندئذ لا يجوز سماع الدعوى الجنائية وتعتبر منتهية بموجب القرار الصادر عن أمير البلاد بالعفو الشامل. كما تنقضي الدعوى الجنائية بالتقادم، أو كما يسمى في اصطلاح قانون الإجراءات الجنائية مضي المدة، ويقصد بذلك أن الدعوى الجنائية التي لم يتم بشأنها مباشرة إجراءات التحقيق أو الاتهام أو المحاكمة أو الأمر الجنائي أو أي إجراءات من إجراءات الاستدلال أو الإجراءات التي يتم إخطار المتهم بها رسميا، فإنها تنقضي بعد مرور مدد معينة حددها القانون تختلف باختلاف الوصف الذي تتخذه الجريمة، فإذا كان موضوع الدعوى الجنائية جناية بدأ سريان مضي المدة بمرور عشر سنوات من يوم ارتكابها، إذا كان جنحة تمضي مدتها بمرور ثلاث سنوات من يوم وقوعها، أما المخالفات تمضي مدتها بمرور سنة من يوم ارتكابها إلا إذا وردت مدد أخرى بنص خاص. ويمكن أن تنقضي الدعوى الجنائية بإلغاء القانون الذي يعاقب على الفعل موضوعها، ففي هذه الحالة طالما أن القانون الذي أسندت الجريمة بموجبه للمتهم ألغي مفعوله، فبالطبيعة ستنقضي الدعوى الجنائية، ويشترط لإعمال هذا السبب أن تكون الدعوى ما زالت منظورة أمام القضاء أو ما زالت تقبل الطعن بالطرق المقررة قانونا، أما إذا صدر حكم بات نهائيا فلا يجوز إعماله. وتنقضي الدعوى الجنائية لأسباب أخرى تنص عليها قوانين خاصة، مثل انقضائها بسبب حصول الصلح عندما تكون الشكوى شرطا من شروط رفع هذه الدعوى. لكن انقضاء الدعوى الجنائية لأي سبب من الأسباب المحددة قانونا لا يعني انقضاء الحق المدني بالنسبة للمجني عليه، لأن مطالبته تحكمها قواعد إجراءات التقاضي أمام القضاء المدني، وتنقضي للأسباب التي تنقضي بها الدعاوى المدنية.