زيادة الطلب من قبل مستهلكين منساقين وراء أذواق غير محسوبة توظف العديد من الأنشطة التجارية والقطاعات الاقتصادية شهر رمضان المبارك لتعزيز مبيعاتها وتنمية أرباحها واستثمار نفسية الصائم ودراسة رغباتها وميولها الاستهلاكية التي تأخذ مسارات وصورا متعددة في الانجذاب والتأثر بالدعاية والإعلانات والتهافت على الأسواق والمحلات التجارية لشراء المواد الاستهلاكية بكميات تزيد على الحاجة الحقيقية للإشباع، بلغت زيادة الإقبال على (السلع 25% قبيل رمضان) وفقا لتقرير نشرته (لوسيل) الأسبوع الماضي، اعتقادا بأن كميات الأكل العالية في الليل سوف تؤدي إلى تعويض الحرمان الذي مر به الصائم طوال النهار. وبالرغم من أن هذه القناعات الخاطئة يتم اكتشافها يوميا من قبل المستهلك عبر التخلص من الكميات الزائدة في براميل المخلفات إلا أن المجتمع للأسف يمضي قدما في عمليات الشراء والتخزين والاستهلاك المبالغ فيه، وهو ما يستثمره التجار أفضل استثمار في رفع الأسعار من جهة وجني الأرباح المضاعفة من عمليات الشراء الزائدة على الحاجة من جهة أخرى. ولاستثمار أيام وليالي رمضان المباركة وأجر الصدقة وإفطار صائم وغيرها تسعى حملات العمرة وشركات الطيران والفنادق في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومنافذ التسويق والمجمعات التجارية والمطاعم ومؤسسات الدعاية والتسويق وغيرها إلى الترويج وتصميم وتقديم حزم لمنتجاتها، مستثمرة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والنصوص المقدسة والفتاوى الدينية ضمن فقراتها الدعائية التي تؤكد على الأجر المضاعف للصدقات وأداء العمرات وإفطار الصائم في شهر رمضان وأثرها الإيجابي على المسلم وحسناتها المضاعفة لإغراء وجذب المسلمين إليها (زد أجرك في رمضان وصل مياه للمسجد). والأكثرية منا للأسف يتهافتون دون أدنى تفكير وتقييم لقدراتهم المالية وإمكاناتهم المادية وبدون أدنى سؤال يطرحونه عن أهداف وغايات هذا الترويج المفرط والدعايات الواسعة، التي تسعى دون شك إلى الربح والاستغلال واقتناص الفرص، بل حتى شركات الاتصال قدمت حزمة من (الأناشيد والأدعية الجديدة) أسمتها (ركن رمضان، فئة أدعية أو أناشيد). أما قطاع الدراما والبرامج التلفزيونية الموجهة إلى المشاهد في رمضان فقد أصبحت تمثل سوقا آخر ينشط في هذا الشهر الكريم، حيث تسبق مؤسسات الإنتاج التلفزيوني رمضان بأشهر طويلة لإنتاج وإخراج ما لديها من مفاجآت الدراما المتنوعة والمسلسلات التاريخية والبرامج الدينية، وتتنافس القنوات المتخصصة في جذب المشاهد إليها بعرض نماذج عن برامجها في شهر رمضان قبل أيام من دخوله، مطلقة على العديد منها بـ(الحصرية) و(المميزة) لمضاعفة الكسب. ومع أبرز المسلسلات والبرامج وأعلى ممثليها أجرا تنشط سوق الدعاية والتسويق الذي يدر هو الآخر ربحا على شركات الإنتاج والقنوات العارضة. جريدة "لوسيل" نشرت في الثامن عشر من أبريل الماضي تقريرا تحت عنوان (الإنفاق في رمضان وعطلة الصيف يفتحان شهية القروض)، ذكر أن الشركات والمجمعات التجارية الضخمة قد بدأت (بتوفير المواد السلعية المختلفة استعدادا للموسمين معا). وفي ذات السياق وفقا للتقرير فإن بعض البنوك قد أعدت (خطط الإقراض في هذه الفترة)، فكان البنك التجاري أول (المعلنين عن خططه لشهر رمضان وفترة الصيف بعرضه تقديم قروض شخصية وقروض السيارات بأسعار فائدة مخفّضة تصل إلى 2.29%). وتضمن التقرير وجهة نظر للدكتور عبد الرحيم الهور لـ«لوسيل» قال فيه: (إن المجتمعات الإسلامية وحتى التوجهات النقدية والسياسية تأخذ منحى تفاهميا في منح القروض بمناسبة شهر رمضان، حيث تعمد إلى التيسير في القروض لتغطية بعض الحاجيات للمواطنين). مضيفا أن (هناك سببين مهمين لذلك، الأول نشهد في رمضان الرحلات الدينية إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة، والتي يسميها البعض السياحة الدينية التي تنظمها مكاتب سفر مختصة عددها يقارب العشرين في الدوحة). أما السبب الثاني فهو (ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الذي يرتفع بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان من ناحية الأكل والشرب وملابس العيد...). لقد أصبح شهر رمضان (فرصة لدى التجار لرفع أسعار كثير من السلع بدون أي داع، إلا لزيادة الطلب عليها من قبل المستهلكين المنساقين وراء أذواق غير محسوبة). إن نهم المستهلك المبالغ فيه في عمليات الشراء درجة الاقتراض ومضاعفة الديون، واستثماره من قبل القطاع التجاري يجب أن يقابله جهد توعوي مكثف من المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والعلماء ورجال الدين لتبصير المواطن وتوعيته بمصالحه في التعامل مع السوق والحرص على توفير احتياجاته بما لا يزيد على الحاجة الحقيقية والتأكيد على أن تكبيد نفسه أعباء مالية غير ضرورية يتعارض مع أهداف وغايات الشهر الكريم ولا يقره الدين الإسلامي الحنيف.