تايوان معجزة اقتصادية وقصة نجاح تستحق الدراسة والتعلم منها وعادة ما تعطينا الدول الآسيوية دروسًا في التحول والنمو الاقتصادي من الفقر والعيش على المساعدات الدولية إلى أن تكون لاعبا هاما في الاقتصاد العالمي، مع العلم أن معظم الدول الآسيوية لا تمتلك الموارد ولا الثروات الطبيعية الكبيرة مثل «الطاقة» أو ثروات أخرى. وبشكل مختصر كانت تايوان تحت حكم الصين لفترة طويلة وبعد المعركة التي دارت ما بين الصين واليابان، التي انتصرت فيها الأخيرة عامي 1894-1895، وظلت تحت الحكم الياباني حتى هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية عام 1945، فعادت تايوان إلى الصين وكان في عام 1947 انتفاضة كبيرة بها الكثير من الاضطرابات في البلاد. ظلت تايوان في هذه الاضطرابات لفترة طويلة وعاشت فترات قاسية، وكانت تعتمد على المساعدات، فشكلت الإعانات 10% من الناتج المحلي. واعتمدت حكومة تايوان على الزراعة بشكل كبير فشكلت 44% من الناتج المحلي، وبلغ عدد العاملين في قطاع الزراعة 50% من إجمالي القوى العاملة، وكان نصيب دخل الفرد في 1953 أقل من 170. واعتمدت الحكومة على الأرباح من قطاع الزراعة في تطوير البلاد والبنية التحتية، فتايوان فقير بالموارد كالثروات الطبيعية، كما أنها كانت تحت احتلال ياباني، ثم تأثرت بالحرب العالمية الثانية وتلتها اضطرابات وأحكام عرفية ظلت مطبقة من عام 1949 حتى 1987 ثم بدأت الحكومة في وضع العديد من الإستراتيجيات للتنمية وأيقنت حينها أن أهم استثمار هو في العنصر البشري وبدأت باتخاذ بعض الإجراءات كان أهمها: وفي عام 1966 تم إنشاء أول منطقة تصدير صناعية في كاوهسيونغ. وفي عام 1968 قامت الحكومة بإطلاق نظام تعليمي إلزامي مدته تسع سنوات في وقت لم يكن هناك سوى أقل من تسع دول في العالم تطبق مثل هذا النظام التعليمي، مع وضع برنامج للتطوير المهني في السنوات اللاحقة ليتناسب مع طموحات الدولة في قطاع الصناعة. وفي عام 1976 أرسلت تايوان الكثير من المبتعثين والباحثين إلى الولايات المتحدة للتعلم وتحديدًا في مجال الصناعة والتكنولوجيا أو ما يطلق عليه تكنولوجيا الدوائر المتكاملة. وبدأت الحكومة في وضع خطة للاهتمام بالمنظومة الصحية بالتوازي مع تطوير منظومة التعليم وفي عام 1995 وضعت الحكومة منظومة التأمين الصحي الوطني الشامل، والتي منها انطلقت تايوان لتصبح رقمًا في الاقتصاد العالمي. والآن تايوان في 2020 أصبح الناتج المحلي 590 مليار دولار، إذ يشكل قطاع الخدمات 63%، والصناعة 35.3%، كما تعد رقم 22 على العالم وتُعتبر تايوان الدولة الوحيدة المدرجة في برنامج الولايات المتحدة الذي يسمح لمواطنيها بدخول أمريكا بدون تأشيرة وليس بينهما علاقات دبلوماسية رسمية. وأصبحت تايوان من بين أكبر 18 دولة مصدرة للبضائع في العالم، وتحتل تايوان مكانة مهمة في الاقتصاد العالمي، فهي عنصر رئيسي مؤثر في صناعة تقنية المعلومات والاتصالات العالمية، فعلى سبيل المثال شركة فوكسكون وهي من أهم شركات صناعة التكنولوجيا في العالم، كما أنها من أكبر 60 شركة دخلاً على مستوى العالم، وتقوم بالتصنيع للعديد من الشركات العالمية وتساهم في صناعة أجهزة إلكترونية عديدة مثل آيفون وآيباد وسامسونج، بالإضافة إلى معالجات «انتل» ولقد ظهرت شركة نوكيا لأول مرة تحت مظلة هذه الشركة، ويعمل بها أكثر من 1.2 مليون موظف. وبلغ حجم التجارة 622 مليار دولار بنهاية 2018 «صادرات 335 مليار دولار» «وواردات 286 مليار دولار»، ولديها فائض يقدر بـ 49 مليار دولار. وتحتل تايوان المركز الأول في العالم في صناعة الدراجات الهوائية وتصنيع الدوائر المدمجة وتعبئتها. وتحتل تايوان المركز الرابع على مستوى العالم في الابتكار وذلك في مسح أجري على 140 دولة عام 2018 في تقرير التنافسية العالمي. يوجد بها 141 جامعة تعليمية وعدد السكان الآن يصل إلى 23 مليون نسمة جاءت تايوان بالمرتبة الثانية في آسيا حسب مؤشر حرية الصحافة والصادر من منظمة مراسلين بلا حدود عام 2019. ختاما تعطينا تايوان درسًا هامًا في أن الاستثمار في العنصر البشري والعقول هو الأهم من أي استثمارات أخرى نراها الآن تتهاوى في ظل الأزمات وتنخفض قيمتها وأصبحت بلا فائدة.