قرارات جيدة لا تنفذ

مهما كانت القرارات جدية وذكية على مستوى الفرد أو الشركة أو الدولة، فلن تنجح اذا لم تكن آليات التنفيذ فاعلة وسريعة ودقيقة. على مستوى الفرد، يأخذ الانسان قرارات لنفسه لوقف التدخين أو تخفيف الوزن أو غيرهما، فهل ينفذها وما هي الآلية؟ لذا نرى معظم هذه القرارات لا ينفذ بل يبقى حبرا على ورق. المضحك المبكي أن الانسان الذي لا ينفذ قراراته، يعيد أخذ القرارات نفسها بعلم منه أنها لن تنفذ مجددا. هنالك سهولة كبرى في اتخاذ هذه القرارات الشخصية النظرية، لأن التكرار سهل وغير مكلف. على الصعيد العائلي، هنالك قرارات تتخذ مثلا للادخار وتنظيم الانفاق والعطل والقيام ببعض الأعمال المنزلية. قرارات في أكثر الأوقات جيدة ويجب تنفيذها، الا أن الآلية سيئة وبالتالي تبقى الأمور عالقة. عندما تأخذ العائلة قرارا بترشيد الانفاق، نرى أنها لا تنجح عموما في تغيير العادات وبالتالي يبقى الهدر قائما على أمور ليست ضرورية بل أحيانا مضرة كالتدخين واستهلاك سلع الادمان. من أصعب الأمور على صعيد الشخص أو العائلة هو تنظيم الوقت، وكما يقول الغربيون "الوقت هو مال" وبالتالي هدره مكلف كالمال أو أكثر. المال يذهب ويعود، لكن الوقت يمر مع العمر وبالتالي هدره مكلف. في دول الشرق، يستسهل الانسان هدر الوقت علما أنه بحاجة ماسة الى الاستفادة من كل دقيقة للعمل أو اللهو أو الانتاج أو الاستهلاك. نرى أن الوقت ليس مهما في الدول النامية والشرقية علما أن الحياة يمكن أن تكون فيها أسهل أو أن المواطن يشعر بالسعادة أكثر لأن الضغط اليومي أخف بكثير. اذا كان هدف المواطن أن يعيش بهدوء وسعادة، ربما تخفيف الضغط والطموح يصب في هذا الاتجاه. اذا كان الهدف زيادة الاستهلاك وتحسين مستوى المعيشة، يجب عندها العمل الشاق والمستمر بأعلى درجات الانتاجية. منذ زمن، يفشل الاقتصاديون في وضع البراهين للعلاقات الايجابية بين النمو والسعادة. ربما تكون العلاقة مرتبطة بالظروف والثقافات والتقاليد كما التاريخ. بالنسة للدول، آليات التنفيذ مهمة جدا وهذا يشكل الفارق أحيانا بين نجاح دول ومجتمعات وفشل أخرى. في لبنان تتخذ قرارات بمختلف القطاعات لكن التنفيذ يتعثر دائما، مثلا فيما خص ترشيد الانفاق ومحاربة الفساد وتنظيم القطاع العام. عموما تؤخذ القرارات عبر قوانين ومراسيم ولا تنفذ لآن آليات التنفيذ غير واضحة أو هنالك "وباء الفساد" الذي يعطلها. في لبنان تؤخذ القرارات عبر مجلس الوزراء بعد نقاشات حادة تدخل فيها المصالح الطائفية والسياسية والحزبية كما المناطقية. لذا تكون النتيجة عموما غير فاضلة أي ضعيفة حتى قبل التنفيذ. من الصعب جدا أن نجد قرارات وطنية ادارية مهمة يتم التوافق عليها بسرعة مما يجعل وضعها موضع التنفيذ يتأخر، فتصبح أحيانا غير ضرورية. العديد من القرارات العامة وان يأتي متأخرا، لا ينفذ كقرارات مصرف لبنان بشأن "الدولار الطالبي" وغيره حيث نجد دائما الشياطين في التفاصيل.