بدأت دول مجلس التعاون منذ فترة بعملية إصلاح سوق العمل، حيث قامت هذه الدول بإصلاحات طموحة بهدف إعادة تنظيم السوق وتصحيح التشوهات الناجمة عن الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، والقضاء على البطالة التي أخذت في الارتفاع في ظل أزمة انخفاض أسعار النفط. تعتبر قضية سوق العمل من أهم وأعقد القضايا في دول المجلس، فرغم الإيرادات النفطية الهائلة، وارتفاع متوسط دخل الفرد، إلا أنه يبدو أن هذه الدول أصبحت عاجزة عن مواجهة العديد من المشاكل التي يفرزها سوق العمل. إن هذه الدول مطالبة الآن وأكثر من أي وقت مضى بتوطين العمالة والوظائف وإحلالها بدلًا من العمالة الأجنبية، كما أنها مطالبة في إعادة النظر في سياسة استقطاب العمالة الوافدة. فهل يمكن لهذه الدول أن تعالج اختلالات سوق العمل وإعادة هيكلته من دون إصلاحات جذرية للاقتصاد؟ لقد حققت دول المنطقة منذ الطفرة النفطية في بداية العقد السابع من القرن الماضي معدلات نمو سريعة، واستطاعت أن تطور بنية أساسية ومتوسط دخل عالٍ. ولتحقيق ذلك اعتمدت هذه الدول على عنصرين أساسيين هما البترو دولار، وسياسة دولة الرفاه، والتي تعني أن الدولة الخليجية قد لعبت الدور الأساسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي لمواطنيها. فقامت بتوظيف نسبة كبيرة من المواطنين في القطاع العام دون الاهتمام بمعيار الإنتاجية، فحافظت على زيادة الأجور والحوافز المالية للموظفين، مما أدى إلى تضخم القطاع العام، وأدى لخلق بطالة مقنعة. كما قامت الدولة بتدليل القطاع الخاص من خلال تذليل كثير من الصعوبات وتقديم الدعم الهادف إلى تخفيض تكلفة الإنتاج، فعمدت على فتح الباب لأرباب القطاع الخاص لاستقطاب ما يريدونه من العمالة الأجنبية الرخيصة دون قيد أو شرط في العدد والكفاءة والإنتاجية. فبذلك أصبح النمو والاستقرار الاقتصادي الخليجي مرتبط بعاملين، التدفقات النقدية الحكومية عبر المصروفات العامة، والتي تعتمد على الصادرات النفطية بنسبة تتجاوز 90% من الإيرادات العامة، وثانيا وفرة العمالة الرخيصة والتي اعتمدت عليها مؤسسات القطاع الخاص في استثماراتها، حيث أدمنت عليها في الإنتاج وتعزيز قدراتها التنافسية. وهذا يعني أن أي خلل أو انخفاض في المصروفات الحكومية أو العمالة الرخيصة ينعكس تمامًا وبشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي وقدرته على تحقيق النمو وخلق فرص عمل للمواطنين. إن الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية لتمويل المصروفات الحكومية ودعم النشاط الاقتصادي وتوظيف هذا الكم الهائل من العمالة الوطنية في القطاع العام، وكذلك الاعتماد المفرط للقطاع الخاص على العمالة الوافدة ذات الأجر القليل والمهارة المتدنية، يجعل من الصعب إصلاح سوق العمل قبل إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني والذي لعبت فيه الدولة الدور الأساسي في العملية التنموية وفي توفير الرفاه الاقتصادي للمواطنين. فلدينا سوق عمل به تشوهات عديدة كما أن نظامنا الاقتصادي بني ولعقود من الزمن على هذه التشوهات. ولذلك نجد أن المؤسسات الإنتاجية الخاصة ترفض التخلي عن العمالة الوافدة لكونها مصدر قدراتها التنافسية وفي الوقت نفسه الاقتصاد أصبح غير قادر على إيجاد البديل لهذه العمالة الرخيصة. إن الميزة التنافسية التي يقوم عليها نموذج الاقتصاد الخليجي هي انخفاض أجور العمالة الوافدة وليس الإنتاجية والمنافسة، الأمر الذي يعني بأن المطلوب أولا هو إعادة هيكلة الاقتصاد الخليجي وإصلاح النظام الاقتصادي وإلا فإن الاقتصاد لن يكون قادرا على استيعاب أي إصلاحات في سوق العمل.