


عدد المقالات 80
وقع في يدي كتاب وأنا صغير اسمه «أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي» لفاروق شوشة؛ فأذكر أني ما فرحت بشيء فرحي بهذا الكتاب، وأكاد أحفظ كل ما فيه. كنت أستشعر كل حرف في كل بيت في كل قصيدة!. هذه مبالغة لكني لم أكن أتجاوز حينها الخامسة عشرة من عمري. مما كنت أبكي له حزناً حب قيس بن الملوح لليلى العامرية، كنت أبكي عليه لا على ليلى! ولم أكن أشغل نفسي كثيراً بكون قصائده منحولة أم لا، بل كان همي مشاركته في مشاعره: تذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا فكنت أذهب معه في هذا التذكر حتى كأني أراه أمامي ناحل الجسم، شاحب الوجه باكياً. كان يتكلف البكاء ويغضب على صاحبيه إن لم يبكيا معه: خليلي إن لا تبكياني ألتمس خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا ويعيش على أمل لقيا ليلى، التي فارقته بزواجها من غيره: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا لكن هذين الشتيتين لم يلتقيا أبداً، فقد هام المجنون على وجه حتى وجدوه ميتاً، وقيل إن ليلى وقفت على قبره وبكت حتى سقطت ميتة! لكن من أمتع الأبيات في قصيدته، شكواه إلى خليليه (صاحبيه): خليلي لا والله لا أملك الذي قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا يعترف بأن الأمر ليس بيده، بل بيد الله، وينزف قلبه ألماً وهو يقول: قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا؟! ويتمنى من قلبه أنه لم يكن يحب ليلى؛ هذا الحب الذي أورده المهالك: فيا رب سو الحب بيني وبينها يكون كفافاً لا علي ولا ليا حتى إذا نادى أحد باسم ليلى ظن المجنون أن المنادي يعني ليلاه، فيبكي حتى يبل دمعه رداءه: ولا سميت عندي لها من سمية من الناس إلا بل دمعي ردائيا وكأنه يريد أن تشهد الأرض كلها حبه لها: فأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا؟! ومن أعظم المصائب أن تحب من يحب غيرك! فيكون نصيبك الهم والغم، ومعروفها لغيرك: قضى الله بالمعروف منها لغيرنا وبالشوق مني والغرام قضى ليا! ويشعر بالذنب العظيم أنه حتى إذا أراد الصلاة جعل (ليلى) قبلته!: أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المصلى ورائيا! ويبرئ نفسه من الشرك ويعتذر لها: وما بي إشراك ولكن حبها وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا ولما بلغه مرضها بالعراق تمنى أن يكون هو طبيبها: يقولون ليلى بالعراق مريضة فيا ليتني كنت الطبيب المداويا ثم لما بلغ به اليأس كل مبلغ دعا الله أن يزينه في عينيها أو يبغضها إليه فيرتاح من هذه الدواهي: فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى فزني بعينيها كما زنتها ليا وإلا فبغضها إلى وأهلها فإني بليلى قد لقيت الدواهيا أيها المجنون! لماذا كل هذا الهيام والجنون؟ أكل هذا من أجلها؟! قال: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا! يا قيس! إن الحب اليوم في زماننا قد أصبح أغرب من الخيال!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...