


عدد المقالات 80
كنتُ مرةً في طريق «الدمام- الأحساء»، بصحبة الصديق الدكتور: خالد البديوي، وطال الحديث حول الهموم الشخصية، فقال لي: «لا تُهمل المؤشرات!»، قلت: ماذا تعني؟ قال: «لكل شخصٍ مؤشرات تدل على شخصيته»، إما كلماتٌ يرددها كثيراً، فتفهم منه بعض خفاياه، أو مواقف تكررتْ منه.. وهكذا.. قفز ذهني إليك يا أبا الطيب!.. كم نحن مدينون لك في حياتنا بالفضل أن نبَّهتنا بإشاراتك على مؤشرات الناس!. ألستَ أنت أولَ شاعرٍ يحذرنا من اللؤماء؟ الذين يصطادون في أيِّ ماء!: وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ كيف لو كنتَ في زماننا ورأيتهم يختبئون خلف الأسماء المستعارة، في أحيانٍ عدة، والصريحة في أحيانٍ أُخر؟ يذمون وهم ناقصون، ويتبجح منهم الناقص بأنني: جعلتُ فلاناً لا يساوي شيئاً! ورددتُ على فلانٍ.. وفضحتُ فلاناً!.. أشكرك يا أبا الطيب!. أعداءُ النجاح لا يُرضيهم إلّا أن ينسلخ الإنسانُ من جِلده، وربما لن يرضوا بعد ذاك! والأَمَرُّ من هذا إذا كان المرءُ يُقاتلُ على جبهاتٍ شتَّى، فلا يعلم من يتقي من أعدائه.. البعيدين عنه أم الأقربين؟!: وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ؟! أنتَ -يا أبا الطيب- خاطبتَ سيف الدولة بهذا الخطاب الخالد.. وأظنك تعني بالرُّومِ الآخرين المحيطين به، المتربصين به! أليس هذا قصدك؟! إنني أُقَبِّلُ رأسك إعجاباً! إذا كَثُرَ عليك الأعداءُ لا تعلم بمن تبدأُ، ومَنْ تحذر أولاً. لقد أذهلْتني حينما علمتُ أنك عالمٌ بالمذاهب والأديان والطوائف. أردتَ أن تمدح «صاحبك» فكذَّبْتَ أصحابَ فِرقةِ «المانَوِّيةِ» القديمة، الذين يقولون: «إنَّ الظلام يأتي بالشَّرِّ وإنَّه لا خيرَ فيه!»، فقلتَ أنتَ: وَكَمْ لظَلامِ اللّيْلِ عِندَكَ من يَدٍ تُخَبِّرُ أنّ المَانَوِيّةَ تَكْذِبُ!. صاحبك الممدوح يمدحُه الليلُ، بل هو الذي تكرم على الليل بالفضائل، فكأنَّ الليل يشكره لأنَّه أخبر العبادَ كلهم أنَّ ظلامه خيرٌ ولا يأتي إلا بخير. هل أُفصحُ عما تريدُ أم أسكتُ لأنك قلتَ فأجدتَ وأبلغتَ؟ وما حاجة الناسِ إلى إفصاحي بعد إجادتك؟! ليس كلُّ أحدٍ يقدر على أن يكون سيّداً، لأَنَّ السيادةَ تحتاجُ إلى رِجالٍ رِجال!، ولا كلُّ أحدٍ يستطيع أن يكون شجاعاً، لأن المغامرة لها ضريبة صعبة جداً قد تؤدي بالإنسان إلى الانتقال إلى الدار الآخرة، هذا ما أشرتَ إليه يا أبا الطيب غفر الله لك!: لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتَّالُ الأغبياءُ والكسالى هم أكثر الناس راحةً في الدنيا!، الذين عطلوا رؤوسهم وأبدانهم، فاستراحوا.. أما أصحاب الهمم العالية الراقية فهم معذبون، لا يجدون طعم الراحة، فكأنَّ الدنيا ما خُلِقتْ لهم، فلا تصلحُ أن يُنيخوا فيها ركائبهم: لحَى اللهُ ذي الدّنْيا مُناخاً لراكبٍ فكُلُّ بَعيدِ الهَمّ فيهَا مُعَذَّبُ! لا تلمني إذا وصفتُهم بالغباء والكسل، فأنت قبلي وصفتهم بالجهالة وهي أطمُّ وأعظمُ: ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ يا أحمد!: بعضُ أصحاب الجهالة في عصرنا «مليارديرات».. عفواً! اعذرني فأنت لا تفهم لغة عصرنا ليس لأنك لا تفهم، حاشاك؛ بل لأننا نحن الذين عَرَّبنا لغاتِ الغرب لنُرضي بها لغتنا!.. «ملياردير» حفظك الله يا أبا الطيب!! هو الذي يُعتبر «قارون» متسولاً «شحاذاً» على بابه لا يلتفت إليه ولا يقول له: تفضل!.. «فالملياردير» يتنعم بجهالته في شقاوته! وبعض «العقلاء» يشقون في النعيم بعقولهم! في زمانكم كنتم تُعظِّمون من «يعقل»، وفي زماننا أصبحنا نُعظِّم من «يجهل» بشرط أن يكون «مليارديراً» تنحني له الرقاب!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...