قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، لم تأتِ نعمة ذكرها الله في القرآن أو أنعم بها على أحد من خلقه إلا وكانت تحقق منفعة كبيرة ورضا للنفس وعلاجا للروح، ومن النعم التي ذكرها الله لعباده الصالحين في الجنة هي أن ينزع ما في قلوبهم من غِلّ، فلا كره ولا حقد ولا حسد ولكن محبة وود وصفاء.
ولما كان الشيء بنظيره يقاس، والجزء للكل أساس، فكان لابد من التمعن في مقصد النص القرآني وسبب الإشارة، فكل ما ذُكِرَ من نعم في الجنة هو مطلب الروح والقلب والعقل في الدنيا، فإذا ذكرت القصور كانت أماني الدنيا وإذا ذكرت الحور العين كانت مفاتن الحياة وإذا ذكرت الأنهار والخضرة كانت مقاصد رغد العيش، وعليه إذا كان نزع الغِلِّ من القلوب وعد الله لعباده الصالحين في الجنة، فهي لا شك من أَعْظَم النعم في الدنيا، فبها تصلح النفوس وتتقن الأعمال وتوَفَّى العهود وتوصل الأمانات وتصلح الأسر وتستوي المجتمعات وتنهض الأمة.
فلينظر كل إلى نفسه ولا بأس أن يعيب نفوسنا قليل من ذاك الشعور، فنحن لا شك نغضب وإذا غضبنا نكره وإذا كرهنا نخطئ، لا بأس ولكن ساعة بساعة، فلا نحن ملائكة نمشي على الطرقات ولا نحن من شياطين الإنس نغل في قلوبنا ولا نسامح، إننا إلى إنسانيتنا أقرب وإلى رحمة الله أرغب وإلى نعمة صفاء النفس حاصلين، فإذا نحن هَذَّبْنَا نفوسنا بالصبر الجميل طابت ليالينا وطالت أعمارنا وحسنت خواتيمنا، فاللهم ارزقنا وإياكم قلوبا لا غِلَّ فيها في الدنيا والآخرة.
وفيما يلي وددت أن أذكر بعض الآثار السلبية لأمراض الغِلّ على الصحة العامة ومنها أن الانفعال النفسي يؤثر على مناعة الجسم وبالتالي يسهل الإصابة بمرض السرطان، وكذلك يؤدي المرض النفسي إلى فقدان الشهية وبالتالي إلى فقر الدم، كما تؤثر أمراض الغِلّ مباشرة على القلب، حيث تؤدي الحالة النفسية إلى اضطراب دقات القلب، كما يؤدي الاضطراب النفسي إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول الذي يسبب تضييق الشرايين، كذلك الشد النفسي يؤدي إلى تصلب في العضلات وإلى آلام جسدية كثيرة، تطول قائمة الآثار السلبية للغل في القلوب، سواء من الناحية المجتمعية أو النفسية أو الجسدية على حد سواء، وهذه مدعاة لتصفية القلوب ونزع الأحقاد وإلى أن نلتقي على ذلك، هذه تحية وإلى لقاء.