عام انقضى.. دروس وعِبر

انتهى الربع الأول من العام وأعلنت جميع الشركات المدرجة في بورصات العالم نتائجها عن العام 2021، عام نهاية الجائحة الأخطر والتي مرت بها البشرية جمعاء، عام المواجهة والتحديات، عام اللقاح والحصانة الطبية والصحية، سنة كاملة مرت واجه الناس في نصفها الأول ذلك الفيروس القاسي بصدور عارية وأنفاس محبوسة ما لبثت ان تحولت في نصفها الثاني بفضل اللقاح والإجراءات الاحترازية التي تم تطبيقها الى ضحكات عالية وتجمعات واقعية بعيدا عن العالم الافتراضي، وهو ما ظهر واضحا في كل المناسبات والأعياد بل وحتى في الأسواق والشوارع وفي الحدائق ودور العبادة وحتى في المطارات والفنادق وغيرها الكثير، تغيرات حقيقية وعودة تدريجية للحياة الطبيعية السابقة واشياء كثيرة كانت كفيلة وبشكل واضح في قلب ميزانيات وارباح الشركات على مستوى العالم ككل، فجأة وبسبب اللقاح تحول العام 2021 من عام المواجهة والتحدي الى عام النمو المرتفع والربحية الكبيرة بل وحتى الربح الوفير، نعم هذا ما حدث في سنة استثنائية ساعدها على ذلك عاملان أساسيان أولهما الانخفاض الغير طبيعي والغير مُتكرر في الأرباح والذي تكبدته مُعظم الشركات في العام السابق وهو ما جعل مُعظم الشركات في ذلك العام تعاني وتنازع الحياة بحثا عن أرباح ولو ضئيلة في ظل اغلاقات كُلية وجُزئية وفي ظل قوانين منع التجول وفرض الإقامة المنزلية للموظفين والطلاب وهو ما القى بظلاله الاقتصادية السوداء على نتائج عام كامل (2020) ليحمل بالنسبة للكثيرين وبكل فخر لقب العام الأسوأ أداء على المستوى المالي والتشغيلي وهو ما جعل وبشكل اوتوماتيكي أي عام يليه قادر وبدون أي جهد على تحقيق نتائج افضل وارباح اعلى وبالتالي نسب نمو مرتفعة، اما العامل الثاني فهو تلك الخبرة التي تكونت لدى الكثير من الشركات في مواجهة هذه الجائحة وظروفها العامة بالإضافة الى ارتفاع نِسب التلقيح بشكل كبير وبالتالي بدء عودة الحياة والدورة الاقتصادية الى طبيعتها وهو ما ظهر واضحا في ارتفاع الطلب بشكل سريع ومُتزايد وبالتالي كان سببا رئيسيا في مشاكل سلاسل التوريد والامداد لاحقا حيث لم يستطع في تلك الفترة الكثير من الموردين تلبية احتياجات زبائنهم بسبب ظهور ذلك الطلب الكبير والمفاجئ دون سابق انذار في وقت كانت معظم هذه الشركات المُورِدة قد قامت اما بتوقيف بعض العاملين او على أحسن تقدير تخفيض مرتباتهم وساعات عملهم وهو ما قلص القدرة الإنتاجية لكثير من المناجم والمصانع حول العالم. انتهت الحرب مع الفيروس، وكما تعودنا في كل حرب كان لا بد من وجود ضحايا وأيضا كان لا بد من وجود منتصرين، وكما هي الثورات دائما تحتاج لأربعة أنواع من الناس فهي تحتاج لنوع يشعلها ويبدأ بها، ونوع آخر يثور ويمشي دُروبِها ويقوم بما تحتاجه من اعمال وتطبيقات، ثم نوع جاهز ليضحي بكل ما يملك حتى تستمر، وبالنهاية نوع اخير جاهز ليستغل الثورة وينتظر على بابها بعيدا عن الضوضاء ليقطف ورود انتصاراتها ويستفيد منها فيجلس مع غيره على كرسي الانتصار، نعم وكما هو الواقع لم تُغير الثورة ضد فيروس " كوفيد 19" عاداتها كثيرا، فالمواجهة بدأت في قطاع تقديم الخدمات الطبية والصحية ثم انتقلت لتشمل جميع القطاعات وبشكل أساسي قطاعات الطيران والسياحة والتي تكبدت خسائر كبيرة وتعرضت لإغلاقات كاملة في معظم الدول وأخيرا امتدت لتصل للقطاعات المالية والإنتاجية بشكل عام، الا انه وفي خضم تلك الازمة كان لقطاعات مُحددة وجهة نظر أخرى فقطاع انتاج العقاقير والكمامات والمُعقمات مثلا تحدث بلغة مُختلفة فهو قطاع يضُم صناعات ازدهرت وشركات توسعت لتستفيد ولو قصريا من تلك الجائحة في جميع دول العالم ساعدها في ذلك مرونتها وقدرتها السريعة على التوسع من جهة، والدعم الكبير الأساسي الذي وجهته معظم الدول لهذه الشركات في محاولاتها لتوفير الامن والأمان لمواطنيها فهذه القطاعات كانت وفي ذلك الوقت وحدها القادرة على توفير مواد ومنتجات تقف في وجه الفيروس ولو جزئيا. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أهمية جميع الصناعات والمنتجات الا ان جائحة كورونا اثبتت وبالدليل القاطع ان الحاجات الأساسية من غذاء ودواء هي منتجات لا تُقدر بثمن فهي وحدها قادرة على تعطيل جميع القطاعات الأخرى فهي كالقلب الذي ينبض بالحياة وينشُرها في كل انحاء الجسم، ومن هنا وبناء على ما اثبتته الجائحة مرة أخرى من ان الانسان هو أساس أي عملية اقتصادية او اجتماعية بل هو المغزى الحقيقي والرئيسي للحياة على سطح الأرض، فانه لا بد من إعادة ترتيب اولوياتنا كأفراد ودول ومجتمعات سواء أكان ذلك على المستوى المادي او المعنوي او الاجتماعي، لنعيد ولو في أذهانِنا تصنيفنا العام ورؤيتنا الخاصة للمهن ولمقدمي الخدمات التي نحصل عليها حتى وان كانت مجانية، فالعبرة ليس بالثمن المدفوع بل بالحاجة الأساسية وبالنتيجة المرجُوة، فنحن وحتى الان ما زلنا ودون ان نشعر او نقدِر نحصل على اهم احتياجاتنا و أدواتنا للحياة مجانا او بسعر رمزي، ولنا في الهواء والماء خير مثال على ذلك وهو الامر الذي يجب ان يُغيِر ولو بشكل بسيط طريقة تفكيرنا لنُعِيد حساباتنا في كيفية تعاملنا مع مصادر هذه النِعْم الهامة سواء أكان من حيث مستويات التلوث أو الشروط البيئية للمحافظة عليها، وهنا أتذكر مقولة العالم الشهير " البرت اينشتاين" حين قال " انظر بعمق الى الطبيعة وبعد ذلك ستفهم كل شيء افضل".