تمتلك البنوك المركزية حول العالم سياسات تستطيع من خلالها التحكم في معدلات البطالة والتضخم والرواج بالأسواق، ومن أهم الأمثلة على ذلك ما اتخذه البنك المركزي الأمريكي من سياسات نقدية في أعقاب الأزمة المالية العالمية الطاحنة في عام 2008 وفى مقدمتها سياسات التحفيز المالي، وتطبيق برامج وسياسات التيسير الكمي وما استتبعها من ضخ مليارات الدولارات شهرياً لشراء الأصول والديون والسندات، بالإضافة إلى خفض أسعار الفائدة بالبنوك فيما سمى بسياسة الفائدة صفر، وهو الأمر الذي ساعد كثيراً على سرعة تعافى الاقتصاد الأمريكي وخفض من معدل البطالة إلى أقل من 5% ورفعت من معدلات النمو لأكثر من 3% . وهو الأمر الذي قد دفع البنك المركزي الأوروبي إلى اتباع سياسات مماثلة بعد فشل خطط وسياسات التقشف الطويلة التي التزم بها بعد الأزمة المالية العالمية ولم تؤت ثمارها، واضطر المركزي الأوروبي أخيراً إلى زيادة حجم مشتريات الأصول وتيسير شروط عمليات التمويل طويلة الأجل وتقديم تسهيلات كبيرة في السيولة للبنوك مع قيامه بتخفيض سعر الفائدة على الودائع من سالب 0,3% إلى سالب 0,4% ، وإعلان البنك استهداف معدل تضخم يقدر بنحو 2%، وإن كانت هذه الإجراءات مازالت غير كافية من وجهة نظري ونظر الكثير من الخبراء لإحداث الانتعاشة المطلوبة، في ظل إغفال البنك توسيع فروق العائد بين أسعار فائدة الودائع قصيرة الأجل وطويلة الأجل. وإنني أرى أنه كان يجب على البنك المركزي الأوروبي خفض معدل العائد على الودائع بقدر أكبر، وفى ذات الوقت رفع مشتريات الأصول بقدر أقل وذلك بالنظر لأن مشتريات الأصول تعمل على خفض وتقليل أسعار الفائدة بنسب أقل، وهو الأمر الذي يمثل خطراً كبيراً على البنوك وهى التي تعتمد أساساً على تحويل المدخرات والودائع قصيرة الأجل إلى قروض طويلة الأجل. مع إدراك هذه البنوك بأن تماثل وتعادل الفائدة بها في المديين القصير والطويل إنما يعنى عدم إمكانية تحقيقها لأية مكاسب ملموسة، وخاصة مع اقتراب جميع أسعار الفائدة من الصفر ... مما دعا البعض إلى التساؤل حول إمكانية قبول مستثمر ما شراء سند لأجل عشرة أعوام بعائد 1% مع إدراكه وعلمه بأن هدف البنك المركزي الأوروبي المعلن هو التحكم بمعدل التضخم ليكون 2% خلال العامين القادمين ومن ثم تحقيقه لخسائر مؤكدة بدلاً من تحقيقه لربحية؟ وعلى الرغم من قناعتي بإيجابية السياسات النقدية الجديدة للبنك المركزي الأوروبي، إلا أنني أراها غير كافية، حيث إن برامج التيسير الكمي (على سبيل المثال) تتسلل إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال أكثر من عنصر، فإذا تحدثنا عن سعر الصرف فسوف نجد أن سعر اليورو قد فقد منذ عامين ماضيين أكثر من 13% من قيمته مما عزز تنافسية دول منطقة اليورو، إلا أنه سرعان ما ارتفع في العام الماضي بنحو 2%، ويتمثل العنصر الثاني في رفع معدلات الإقراض المصرفي وهو العنصر الذي ساهم إلى حد كبير في حل أزمة الائتمان في ايطاليا في العام الماضي، وإن كان البعض يرى أن المزايا الهامشية لهذه السياسات قد بدأت في الانحسار. وفي مجمل الأحوال فإنني أرى أن سياسات البنك المركزي الأوروبي الجديدة سوف تؤتى ثمارها قريبا وستساهم إلى حد كبير على سرعة التعافي الاقتصادي الأوروبي، خاصة وأن هذه السياسات قد نجحت من قبل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واليابان، وفى ظل ورود بعض الأنباء الجيدة بشأن تحسن وزيادة الإنتاج الصناعي في بعض دول منطقة اليورو وفي مقدمتها إيطاليا وألمانيا.