بعد أن استنفد الملك كل الطرق والوسائل للتخلص من الفئران التي استوطنت بلدته وبعد أن فشل كل الذين قدم لهم الجوائز لكي يقتلوها أو يخرجوها من البلدة وبعد أن تخلل اليأس إلى عقله قبل قلبه، هناك وفي نهاية المطاف جاء ذاك الغلام الصغير في يوم بارد رمادي من سمائه وحتى أحجار المباني مروراً في قلب الملك وعرشه المليء بالفئران، وبعد أن اجتاز الحراس وصل إلى حضرة الملك ليخبره أنه قادر على تخليص المدينة من الفئران بصوت الناي الذي يحمله مقابل نصف ملكه وزواج ابنته، فتذكر الملك تلك القصة المشابهة للغلام الذي خلص المدينة من الفئران ولم يعطه الملك مطلبه فسرق العازف أطفال البلدة ليلاً وهم نيام. وهنا عاد الملك إلى رشده أو ما يظن أنه الصواب في عقل بعض الملوك وفكر أن كل مشاكل أبناء البلدة اختفت بعد دخول الفئران ولم يعد أحد يتكلم بأي شيء إلا الفئران، كما أنه اعتاد على تلك الفئران وتعايش الناس معها واستنتج بسرعة أن وجود الفئران هي مدعاة للراحة وثبات للحكم، وبعدها طرد الغلام وبعث ينادي في الناس للتجمع يوم الجمع المعهود والذي توقف منذ عهود ليعلن للجميع أن اليوم هو عيد الفئران وأنها أصبحت من مواطني البلدة وأن التعايش معها هو الحل وعاش الجميع بما فيهم الفئران بسعادة. نهايات ساذجة يكتبها كل من لم يدرك أن التغيير لا يعني التهديد إطلاقا إذا تم على أسس صحيحة بل بالعكس إن الفساد والترهل الاداري والمحسوبية والسكوت عن الخطأ هو ما يسرع في انهيار المنشآت والتشكيلات الإدارية مهما صغر أو كبر حجمها، ان ما يجعل نسب النمو الاقتصادي والصناعي مطردة في دول مثل الصين وألمانيا مع اختلاف تكوينها الفكري بين الشيوعية الاشتراكية والرأسمالية هو قدرة تلك الدول على مكافحة الفساد، والفساد الذي أشير اليه تحديداً هو حالة المهادنة بين المدراء التنفيذيين أو من يقوم مقامهم في الجهات الخاصة والحكومية وبين أشكال الفساد الاداري والذي يتمثل في عدة أوجه منها البطالة المقنعة وانعدام الإنتاجية وعدم وجود معايير الأداء وارتفاع تكاليف الإنتاج دون أن ينعكس ذلك على الإنتاج كما أو نوعا والمحسوبية باشكالها وغيرها من المهادنات والقبول بالواقع وذلك لسببين إما الخوف من التغيير مثل ملك البلدة القديمة والذي يخشى على ملكه أو لعدم وجود القدرة والمهنية والحرفية اللازمة للتغيير، أما إذا ظهر من بين الجموع غلام معه الناي السحري من المعرفة والدراية والجرأة والمهنية فمصيره أن تصلبه الجرذان بدعم الملك العاجز أو أن يجد الطريق الصحيح إلى طريق العمل المشترك والذي يضمن التطوير دون الإيذاء والمصلحة العامة المتماشية مع المصالح الخاصة والتحالفات التي تضمن التحسين في ظل القائم. إن مجرد تخيل توقف الفساد في أي دولة دون تحسين أداء أي قطاع من قطاعاتها هو كفيل لوحده أن يغير وجه تلك الدولة من الفقر إلى الرخاء ومن العوز إلى الاستقرار فقط توقف الفساد دون معجزات اقتصادية ولا قروض بنكية ولا منح دولية، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى اللقاء.