ناس وأشخاص، شوارع وطرق، مُدن ومناطق، وغيرها الكثير من الأماكن أو الأشياء التي قد تبدو في كثير من الأحيان وللوهلِة الأولى صورة طبق الأصل عن بعضها البعض، فما أن تسير على ضفاف البحر الأبيض المُتوسط في الإسكندرية الا وتشعر انك على أرصفة كورنيش بيروت تتنشّق هواءها وتحتسي قهوتها، وما ان تقف مُنبهرا أمام سرايات وقصور تركيا وإسطنبول الا وتعود بك الذاكرة لقلاع مُماثلة في بلاد الشام فتشعر بماضيها وتاريخها يقفز أمام عينيك، وها هو الريف الفرنسي بمائِه وهوائِه وجميع مُكوناته يُشابه الى حدٍ كبير هواء تونس الخضراء واشجار المغرب العربي وثماره، أمور كثيرة مُتشابهة بنسب مُتفاوتة، ولكن وبرغم هذا الشبه في كثير من الأحيان إلا انه دائما ما تبقى لكل بلد بصمته ولكل شيء خصوصيته ولكل شخص مميزاته، وهو الامر الذي يجعل "عادل إمام" ممثلا يتربع على عرش الكوميديا المصرية ليبقى الزعيم الأعلى أجرا والأكثر تأثيرا بالرغم من الأربعين نسخة أخرى التي تشبِهه، وهو نفسه الأمر الذي يجعل لمنطقة مثل فينيسيا إحساس مُختلف وشعور مُميز برغم تشابه طبيعتها مع مئات المُدن، نعم انه سِحر خاص وعبق مُختلف، يجعل من ميزة الاختلاف نقطة قوة تُميِّز الأشخاص والأشياء وحتى المُدن، فالهاتف الجوال نفسه ومكالماته نفسها ولكن "السامسونج" لا يشبه "الايفون" فهو وان لم يختلف بالمضمون أو الاستعمال بشكل واضح لكنه يختلف بالشكل والألوان والاسم على اقل تقدير، نعم إنها حقيقة قد لا تكون منطقية ولكنها ثابتة وراسِخة فكما أنه لكل مقام مقال ولكل زمن رجال، فلكل تاجر سوق ولكل سوق علاماتِه التجارية، وكما أن لكل انسان أصدقاء وأحبة فلكل اسم أو علامة تجارية متابعون ومحبّون، مخلصون وأوفياء يدافعون عنها ولا يستخدمون سواها، وهو الامر الأساسي الذي يجعل من الشركات التجارية قادرة على الاستمرار والمنافسة برغم سِلعها المُتشابه وأسعارها المُتفاوتة في بعض الأحيان، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي العلامات التجارية وكيف كانت نشأتها؟ وما هي أهميتها؟ وما هو الفرق بينها وبين الاسم التجاري؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان العلامات التجارية تختلف نهائيا عن الاسم التجاري للشركات، فالاسم التجاري وباختصار هو عبارة عن كلمات تُمثِّل الاسم الرسمي الذي تمارس بموجبه الشركة جميع أنشطتها وأعمالها واتفاقياتها ومعاملاتها المالية والقانونية بل وحتى الإدارية، أما العلامة التجارية فهي إشارة أو علامة يتم عبرها التمييز بين سلع أو خدمات شركة مُعينة عن سلع أو خدمات الشركات الأخرى، بحيث يُتيح ذلك للمستهلك تحديد مصدر المنتج أو الخدمة ومعرفة الشركة المُصنعة او المُنتجة لها، عِلما بأن هذه العلامة التجارية قد تكون كلمة أو اسما أو رمزا أو أداة أو تصميم أو صورة أو أي مزيج بينهم، بحيث أنها تكون مُستخدمة أو مُعدة للاستخدام في تحديد وتمييز السلع والخدمات للبائعين أو المورِّدين عن سلع وخدمات الآخرين وهو الهدف الأساسي من وجودها، وهنا يجب التنويه الا أنه يُمكن للشركة أن تُحوِّل الاسم التجاري الخاص بها الى علامة تجارية يتم اعتمادها من قِبل الجهات المُختصة للقيام بذلك. وبالحديث عن تاريخ العلامات التجارية فمن المُهِم معرفة أن بعض المصادر التاريخية تعتقد أن أول قانون تشريعي يتعلق بالعلامات التجارية قد تم اقراره في العام 1266 ميلادي وذلك في عهد الملك "هنري الثالث"، حيث طُلب حينها من جميع الخبازين استخدام علامة مميزة للخبز الذي يبيعونه وذلك بهدف سهولة التمييز بينها من قِبل المُشترين، هذا وقد ظهرت أولى قوانين العلامات التجارية الحديثة في نهايات القرن التاسع عشر حيث اعتُمد في فرنسا أول نظام شامل للعلامات التجارية في العالم في عام 1857، وهو القانون الذي تطور وتغير حتى وصل الى ما هو عليه اليوم، هذا ويتم استخدام كل من الرموز ™ ( وهو رمز للعلامات التجارية) و الرمز ® ( وهو رمز العلامات التجارية المُسجلة) للإشارة إلى إمكانية استخدام العلامات التجارية من قِبل الناس أو الشركات، حيث أن وجود الرمز الأخير" ® " يدل على أنه يمكن أن استخدام هذه العلامة التجارية المُسجلة إما من قِبل مالكها فحسب أو من قبل جهات أخرى حاصلة على ترخيص بموجب اتفاقيات لاستخدام هذه العلامة التجارية. أما أهمية العلامات التجارية فيُمكن تلخيصها بأنها حجر الأساس من أجل بناء اسم الشركة وسمعتها، فهي تنشئ علاقة ثقة مع المستهلكين، وهو ما يجعلها قادرة على كسب ولاء العملاء وتعزيز سُمعتها الحسنة، كذلك فإن العلامات التجارية تجذب انتباه المستهلك وتُبرِز المنتجات وهو ما يساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات الشراء حيث يُساعد ذلك على منع حدوث أي لبس لدى المستهلك ويجعله قادرا على معرفة مصدر هذه المنتجات وبالتالي يُعطيه شعور جيد من الثقة بمميزاتها وبمدى جودتها. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن العلامة التجارية هي احدى أهم مميزات الشركات الكبيرة التي وان كانت لا تُعبِر بالضرورة عن مدى جودة المنتجات أو السلع، إلا أنها مُهمة لجذب انتباه المُستهلك ورفع ثقته بأي مُنتج جديد، فالمُنتجات هي كما الناس تحتاج الى علاقات طويلة من التجارب الناجحة لبناء حالة حقيقية من الثقة والولاء، وهنا أستذكر مقولة "ريان هولمز" رائد الأعمال الكندي الذي يقول " لا تخف من تجربة أشياء جديدة، ولكن تذكر التمسك برؤية شركتك والنجاحات الأولية التي حددت علامتك التجارية".