العدالة الاجتماعية والتغيير

تحمل اللبنانيون الكثير بدءا من حرب 1975 مرورا بكافة الأحداث الخطيرة السابقة والمستمرة، ثقة اللبنانيين بالقيادات السياسية تأثرت سلبا والمطالبة بالتغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية أصبحت واقعا. لا شك أن الوضع اللبناني فاجأ الجميع باستمراريته ووضوحه وقوة الرسالة النابعة من الشارع. كنا نقول إن الوضع في لبنان صعب والمطالبة بالتغيير شبه مستحيلة بسبب العوامل الطائفية والمذهبية والمناطقية وغيرها. استمرار إهمال المرافق العامة وعدم السماع لوجع الشعب أغضب الرأي العام الذي يريد فعلا التغيير، اللبنانيون انتفضوا على الإهمال ولا يكتفون بالخطابات التي تميع الأمور وتؤجل الحلول، تغيير الأوضاع في لبنان يتطلب قيادات شفافة كفؤة تخاطب الرأي العام بصدق ومعرفة ورغبة صادقة في الإصلاح، الأمل كبير لكن التحديات كبيرة أيضا. يعاني اللبنانيون اليوم من الركود الاقتصادي وارتفاع مستويات البطالة وتدني سعر صرف الليرة. مستوى الفقر يرتقع وتكلفة الحياة أصبحت باهظة، السياسيون اللبنانيون الذين بنوا مسيرتهم على خدمة الشعب لهم، ما زالوا يتوقعون بل يأملون أن تفشل الانتفاضة. ليس هنالك ما يشير إلى انتصار الانتفاضة، إذ يتطلب ذلك تنسيقا أكبر بين قيادات الحراك لمنع مرور وسائل التفشيل التي تكون سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية. السياسيون في لبنان لم يقرأوا جيدا ما حصل في بعض الدول العربية كتونس أو في أوكرانيا وأرمينيا وهونغ كونغ أو حتى في الدول المتقدمة كفرنسا مع السترات الصفر. العالم يتغير وعلى الجميع قراءة ما يحصل في التشيلي مثلا وغيرها، لابد من قبول مطالب الرأي العام المرتكزة على الحقوق والعدالة والاحترام وحسن المعاملة. الركود الكبير في سنة 2008 لم يكن حدثا اقتصاديا فقط، بل كان ثورة سياسية في كل أنحاء العالم. سبب الركود الكبير وعي غير مسبوق عند الشعوب، إذ لماذا نتوقع مثلا أن تستمر الجماهير في تأييد الأنظمة الرأسمالية الظالمة عندما لم تحصل منها على حقوقها بل بقيت أوضاعها الاجتماعية متعثرة بل تتعثر أكثر؟ لماذا لا نتوقع من الأكثريات الشعبية أن تثور لتغيير الأوضاع عندما ترى أن تحالف الأقلية السياسية مع الأقلية الميسورة يسيء إلى مصالحها ومستقبلها. الأجيال الخاسرة في 2008 نتيجة الظروف وسوء التصرف طالبت وتطالب بالتغيير الديمقراطي والاجتماعي وليس فقط الاقتصادي. «العدالة الاجتماعية» أصبحت عقيدة تنفيذية جديدة ولا يمكن استغلال شعاراتها من قبل السياسيين لتأجيل زمن التغيير. في لبنان، ما زالت أكثرية السياسيين حتى الآن تتهرب من تلبية المطالب الشعبية بالرغم من فهمها للأوضاع، يستعد المواطنون للمطالبة بالحقوق بجرأة وصراحة وبصوت عال عندما لا تسمعهم الحكومات، بل تحاول تفريقهم. بماذا يطالب المنتفضون اللبنانيون؟ برفع مستوى المعيشة ومحاربة الفساد واحترام حقوقهم وحسن التعامل معهم. لماذا يصر السياسيون على المواجهة حفاظا على مكاسبهم من منافع وتوظيفات بالجملة وهدر؟ هل مواجهة الشعب أهون وأقل تكلفة من تلبية المطالب العادلة التي تبني المستقبل وتحاسب بعد تغيير العديد من القوانين وبعد إجراء الإصلاحات المنطقية.