"المجتمع والاقتصاد... إطار ومبادئ"3/3

في المحور الثالث "الثقة في الاقتصاد"، يؤكد "مارك س. غرانوفيتر"، على أن "الثقة والسلوك الجديرين بالثقة هما مدخرات غاية في الأهمية لأي اقتصاد، وذلك بشكل أساسي لأنهما يقودان الناس إلى التعاون..."، ويعرف الثقة على أنها "الإيمان بأن شخصا آخر ربما تتعامل أنت معه، لن يسبب لك أذى حتى لو كان في موقع يمكنه من ذلك". ولكن هل يستحق كل الناس الثقة في مجالات العمل الاقتصادي؟ وما هي المعايير أو المصادر التي يمكن أن نستند عليها في الثقة تجاه إنسان ما؟ ألا يقع الكثيرون في شرك الاستغلال والغش بسبب الثقة؟ أليست الثقة رديفة للمجازفة؟. يعدد الكاتب المصادر التي تبنى عليها الثقة في : "الثقة المبنية على المعرفة"، وتقييم الفوائد والمخاطر من منح تلك الثقة – "الثقة المؤسسة على العلاقات الشخصية" التي تدخل فيها الخبرة والسمعة والمعرفة بالطرف المتعامل معه، اعتمادا على "وقوع التبادل مسبقا..." – "الثقة المبنية على أساس العضوية في المجموعات أو الشبكات"، مثالا، شبكة العائلة والأصدقاء والزمالة... والتي تجعلنا نعتقد بأنهم "أكثر كرما واستحقاقا للثقة وأكثر إنصافا" – "الثقة المبنية على المعايير" أي الالتزام بالسلوك الأخلاقي. يقتبس الكاتب تعريفه للـ "السلطة في الاقتصاد" التي خصص لها عنوانا منفصلا في دراسته من أقوال ماكس فيبر، بأنها "احتمال وجود فاعل واحد داخل علاقة اجتماعية يكون في موقع يسمح له بتنفيذ إرادته..." وهذه السلطة قد تدفع إلى إحداث تغيرات في سلوك المتعاملين معها اقتصاديا ونفعيا، وميز ثلاثة مصادر لهذه السلطة، وهي: "السلطة الاقتصادية المبنية على التبعية"، وهي سلطة لا تمتلك إزاءها إلا أن تطيعها وتأتمر بأمرها، "فالذي يتحكم في الموارد التي تهمك، لديه سلطة عليك؛ أي يمكنه أن يدفعك إلى أن تغير سلوكك" – "السلطة الاقتصادية المبنية على الشرعية"، والتي بحكم مسؤولياتهم أو سلطاتهم السياسية والاجتماعية والدينية يرى من يتعامل معهم ضرورة الرضوخ لمطالبهم وقراراتهم – "السلطة الاقتصادية المبنية على التحكم في الأجندة والحوار"، وهي السلطة النخبوية القائمة على امتلاك العلم والمعرفة والخبرة والمال... التي تجعل منهم "فاعلين أقوياء" وقادرين على التحكم. يعد العنوان الخامس "الاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية"، من أهم المحاور، التي تشرح طبيعة العلاقة بين الحياة الاجتماعية وأدوارها الرئيسة في "تشكيل الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد" فعلم الاجتماع " يؤثر على "كل الجوانب الرئيسة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية وجوانب أخرى، فالاقتصاد كان المصدر المؤسسي الرئيس للتكيف، والحكومة هي المصدر الرئيس لتحقيق الأهداف، والنظام القانوني هو المصدر الرئيس للاندماج، والعائلة والدين هما المحركات الرئيسة لصيانة النموذج". في الفصل الأخير "التفاعل بين الفعل الفردي والمؤسسات الاجتماعية"، يناقش الكاتب العلاقة بين مؤسستي العمل والأسرة وتأثيرها على كليهما، "... ويختلف الشريكان حول أي من الأطر تعد مناسبة لحالتهما، لأن هذا الاختلاف يعكس خلافا في المصالح كما يعكس تباعدا فكريا، فالزوجة تنظر إلى عملها المنزلي من خلال منطق السوق للتبادل العلني، في حين أن زوجها يفرض منطقا عائليا لخدمة إيثارية على هذا الوضع". وهو ما ينسحب كذلك على العلاقة بين العمال وأرباب العمل، والتاجر والمستهلك...