


عدد المقالات 103
تقاطع طريقهما وحين اقتربا تبادلا نظرات سريعة لكنها كانت كافية لبدء الحكاية. تتبعها. دفعت باب إحدى المحال. وقف خلف عمود يراقبها. انحنت تقبل رجلا متقدما في العمر. فتح الرجل ذراعيه واحتضنها. فسمع ضحكتها التي أتته أعذب من موسيقاه. أمضت دقائق وخرجت. تتبعها مرة أخرى. وعند أحد المنحنيات اقترب منها متعثرا في الكلمات. نظرت إليه بوجه باسم واثق. فازداد ارتباكا. ثم أخيرا نطق: ممكن أتعرف عليكِ؟ بعد شهور طويلة جلس مرة أخرى إلى أستاذه. احتضن آلته الموسيقية وغرقت عيناه في أفق بعيد وبدأ العزف. كان يجلس أمام رجل وقور بلباس أبيض تماهى مع شعر رأسه الفضي. نظرات الأستاذ ظلت مثبته على «الفايولين»، وحين انتهى «ناصر علي» من عزفه. تطلع إليه قائلا: «تلك هي الموسيقى حين تكتمل». ثم اتجه إلى صندوق خشبي عتيق وأخرج منه آله فايولين محفوظة بعناية في غلاف حريري أبيض. قدمها له قائلا: «لقد ورثت هذا الفايولين من أستاذي الذي انتظر عشرين عاما ليتحقق من جدارتي للآلة. والآن جاء دورك لترثها. الآن فقط أنت جدير بها». كان ثمن آلة الفايولين العريقة قلبا منكسرا وحبا ضائعا تحت وطأة التقاليد. عاش «ناصر علي» حبه الوحيد وتوغل تاركا روحه تقطف السعادة وتغدق على موسيقاه. صارت «إيران» حبيبته هي إلهامه الوحيد. لها يعزف ومنها يستمد النغم. كانت صادقة في حبه. لكنها لم تقوَ على طعن أبيها والزواج من «ناصر علي» بدون رضاه. ذهبت إليه ذات مساء ممطر تخبره بانتهاء علاقتهما. بكت أكثر مما بكت السماء وعادت لمنزلها لتتزوج بعد بضعة أشهر من رجل عسكري لم تحبه أبدا. تدفقت آلامه وموسيقاه وحمل آلته ورحل يعزف في بقاع الأرض محققا نجاحا هائلا. ليعود لوطنه «إيران» بعد عشرين عام حاملا آلته الموسيقية وقلبه الذي كان لا يزال يستدعيها كل ليله في نومه. الفيلم الإيراني «فراخ بالبرقوق» حصل على جائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي لعام 2011. لكن العرض التجاري للفيلم لم يبدأ إلا هذا العام مع بداية شهر سبتمبر. أقبلت دور السينما الأميركية على عرض الفيلم الذي كتبته وأخرجته الإيرانية مرجان ساترابي والفرنسي فنسان بارانود. الفيلم ناطق باللغة الفرنسية. لكن موسيقاه وأداء أبطاله وكاميرات تصويره نطقت بلغة عالمية تصل لكل البشر. يبدأ الفيلم بلقطة لناصر علي بعدما عاد إلى وطنه ليصادف في طريقه «إيران» حبيبته. فتتشبث ساقيه بالأرض ويناديها «إيران» تتطلع إليه وترد «آسفة يبدو أنك تخلط بيني وبين إنسانة أخرى» وبينما يقف مذهولا واثقا أنها «إيران». تنزوي هي في أقرب شارع لتنهار في بكاء حاد وتنادي اسمه. تظل «إيران» حبا حيا في قلبه حتى بعدما تزوج وأنجب طفلين. علاقته الفاترة بزوجته وتعلقه بآلته حولت حياته إلى جحيم. رأت زوجته حبه القديم في موسيقاه. في عينيه. في آلته التي يحتضنها كحبيبة. في لحظة صدام بينهما تمسك بالفايولين وتكسرها. ليفقد آلته ومبرره للحياة. تفشل كل جهود «ناصر علي» في الحصول على فايولين جديد. يستيقظ صباح يوم ليكتشف أنه ما عاد هناك سبب ليحيا بعدما انكسرت الموسيقى. ويقرر «ناصر علي» أن يموت. الفيلم الذي يقدم في قالب درامي كوميدي ممزوجا ببعض من الفانتازيا يطرح أسئلة جوهرية عن مغزى البقاء بدون موسيقى. أو بلغة أخرى البقاء بدون دافع. بعدما أكسر الفايولين يطرح «ناصر علي» السؤال على نفسه في سيناريو بليغ في عمقه وبساطته. لكن السؤال يعود ويلقي بنفسه على المشاهدين الذين تأخذهم المفاجأة وأجدهم يترنحون في الصمت عقب خروجهم من العرض. كان يجلس بجواري مذيع ستينيّ مثقف يضحك ويقفز برشاقة واندفاع الشباب سألني ما آلتك الموسيقية؟». «لو توقفت عن الكتابة لربما أصل لقرار «ناصر علي». هكذا أجبت ثم تحولت إليه وسألته نفس السؤال فقال: «عشقت الإذاعة منذ المرحلة الثانوية. الإذاعة ليست عملا بالنسبة لي. إنها موسيقاي وحبي». في الحوار مع «مرجان ساتريبي» التي تعيش في باريس. تجيب المخرجة عن السؤال وتقول إنه الإخراج والفن. وقد جاء فيلمها الأول «Persepolis» الذي قدم بشخوص كرتونية. ليؤكد موهبتها وعمق تعلقها بفنها. قدمت تجربتها الأولى وحصدت عنها جوائز وطبعت اسمها في عالم السينما، ثم أكدت جدارتها بالفيلم الثاني «دجاج بالبرقوق» وهو نفسه اسم وجبة إيرانية. الفيلم يطرح الكثير وينتقل بسلاسة ما بين السياسي والثقافي والإنساني والفني. ويبكي بقدر ما يحاول رسم ابتسامات. لكن الأهم هو قدرته على استفزاز المشاهد ودفعه للعودة للمرآة وسؤالها: «من أين تتدفق موسيقاي؟».
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...