الاقتصاد السوري.. خسائر كبيرة

تمر سوريا منذ سنة 2011 بأوضاع مشابهة لما حصل في لبنان بدءا من سنة 1975، هذه الحرب المدمرة مكلفة جدا للاقتصاد وللشعب وللمنطقة العربية ككل. التكلفة لا تقتصر فقط على الماديات والبنية التحتية، وإنما تتعداها إلى التكلفة الإنسانية والبشرية والاجتماعية وغيرها. في لبنان نحن متأثرون جدا بالحرب في الدولة الصديقة الوحيدة التي لنا حدود برية معها، علاقاتنا بسوريا تبدأ بالترابط الشعبي إلى الزيارات والنقل والسياحة والاستثمارات وغيرها. خلاص سوريا هو خلاص للبنان أيضا، لأننا لن نعرف الازدهار الاقتصادي مجددا قبل أن تنتهي الحرب في سوريا. قبل الحرب، كانت الأوضاع الاقتصادية السورية ناشطة والقوانين تتأهل تدريجيا، كان التقدم واضحا في التعليم والصحة والبنية التحتية. لم تكن المشكلة السورية اقتصادية، بل سياسية بامتياز وكان هنالك تقصير كبير واضح ومزمن على هذا الصعيد. حصلت الحرب للأسف، ولا شك أنها أعادت الاقتصاد السوري عقودا إلى الوراء، دراسة قيمة لصندوق النقد الدولي، تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السوري هو نصف ما كان عليه في سنة 2011. بعد انتهاء الحرب، لن يعود الاقتصاد إلى مستوى 2011 إلا بعد عشرين سنة على الأقل، قبل الحرب، كانت الحكومات السورية تحاول القيام بالإصلاحات الاقتصادية، بدأت بتحرير الاقتصاد لتشجيع الاستثمارات. وصل النمو في سنة 2008 إلى 4,5%، و5,9% في 2009 و3,4% في 2010 في وقت كان العالم الغربي كما الناشئ يعاني من أزمة الركود الاقتصادي الكبير. كان الاقتصاد بالتالي مستقرا بالرغم من تقصير الحكومات المتعاقبة في معالجة مشاكل الفساد والبطالة والفقر. وصلت نسبة البطالة إلى 10,9% في سنة 2008,8، 1% في 2009 و8,6% في 2010 علما بأن الأرقام الحقيقية يمكن أن تكون أعلى في غياب الشفافية المفقودة في الحقيقة في كل العالم العربي. لم يعم النمو كل المناطق السورية كما لم يتوزع بشكل عادل بين طبقات الشعب، مما ساهم في خلق موجة من الغضب والرفض. حكما لم تكن الإصلاحات السياسية كافية ولم تستفد منها كل أقسام الشعب، بل استفاد منها قسم قليل من السياسيين والأفراد. بدءا من سنة 2011 وبسبب الحرب، انقلبت الأرقام رأسا على عقب ودخل الاقتصاد السوري في نفق مظلم ولم يقترب ربما بعدُ من الخروج منه. العنف الحاصل مؤلم، كما أن الكارثة الإنسانية كبيرة، بالإضافة إلى ارتفاع غير مسبوق في الهجرة والبطالة والفقر. الأطفال هم الخاسرون الأساسيون، إذ إن المستقبل أصيب، كما أن العناية الصحية المتوافرة للجميع لم تعد مقبولة. هنالك مشكلة غذائية واضحة بسبب عدم توافر السلع ولصعوبة إيصالها إلى أماكن الحرب والعنف والدمار، بالإضافة إلى فقدان الكهرباء والمياه في العديد من الأماكن والقرى والمدن، فعلا عودة كارثية إلى الوراء. سقط النمو إلى سلبي 5,9% في 2011% و21,3 في 2012 وهلم جرا، ارتفعت البطالة إلى 14,9% في 2011 ووصل التضخم إلى 37,4% في سنة 2012 بسبب ضعف العرض الناتج عن انخفاض الإنتاج وتعثر النقل. ارتفع عجز الموازنة إلى 22,1% في سنة 2014 بسبب انهيار الإيرادات الضرائبية والنفطية، ارتفع الدين العام إلى 149,9% من الناتج في سنة 2015. انهار الاحتياطي النقدي إلى 5 مليارات دولار في 2014 ومليار واحد السنة الماضية، أي ما يكفي لتغطية شهر واحد فقط من الواردات، كارثة اقتصادية تنعكس سلبا على كل شيء.