عطفاً على ما دلفنا إليه الأسبوع الماضي من حديث عن انتقال الرياضة من عالم التسلية واللعب إلى أن أصبحت أحد أهم القطاعات الاقتصادية، وكيف أصبحنا أمام نظام ذي علاقات رياضية بأبعاد اقتصادية تحكمه قواعد قانونية منبثقة عن اتفاقيات دولية وسوابق قضائية وأعراف مستقرة تشكل في مجموعها نسيجاً تشريعياً رياضياً متكاملاً من أبرز مكوناته: (أولاً) القواعد المُنَظِّمة للتعاقد، سواء كان بين الأشخاص الاعتباريين، الرياضيين واللاعبين، فيما يُعْرَف بعقود الاحتراف، أم المتعاملين من الأفراد، كعقود العمل والتوظيف، وعقود إنشاء الملاعب، وإدارة وتسيير المنشآت الرياضية. (ثانياً) القواعد المُنَظِّمة للأخلاق والمصداقية من قبل الأفراد والمؤسسات ذات الصلة بقطاع الرياضة، وكذلك الحوكمة الرشيدة للمؤسسات الرياضية. (ثالثاً) القواعد المُنَظِّمة لحقوق الإنسان في عالم الرياضة بشكل عام، ورعاية حقوق الفئات المهمشة الدستورية والقانونية في ممارسة الرياضة والاستفادة من عائداتها. (رابعاً) القواعد المُنَظِّمة لحل النزاعات الرياضية رضاء أو قضاء أو تحكيماً. (خامساً) القواعد المُنَظِّمة للتمويل الرياضي، سواء ما تعلق منها باللاعبين أو النوادي الرياضية وهي التي تعالج الشروط والحقوق والواجبات الخاصة بعقود تمويل النادي لشراء اللاعب أو تلك العقود التي توقعها المؤسسات والنوادي الرياضية مع البنوك لتمويل مشاريعها الاستثمارية المختلفة. (سادساً) القواعد المُنَظِّمة للملكية الفكرية والعلامات التجارية للألعاب والمسابقات والفعاليات والنوادي والمؤسسات الرياضية، وتلك المُنَظِّمة للدعاية والإعلان. ومن ثم فقد كان لزاماً على الدولة أن تهتم بتشييد ركن ركين من منظومة تشريعاتها يكون مهتما بالتشريعات الرياضية بحسبانها نسيجاً ذاتيا متميزا متفردا وحده، ومتكاملا في الوقت ذاته مع غيره من التشريعات. وإننا عندما نتحدث عن الاهتمام بالتشريعات الرياضية فنحن نقصد الاهتمام بها على الصعيد التشريعي بمعناه الواسع، حيث ينصرف مدلول الأداة التشريعية إلى مختلف درجات التشريع، بدءاً بالدستور ثم القوانين وما في مرتباتها ثم اللوائح ثم قرارات وزارية، ذلك أن الاهتمام بالتشريع الرياضي إنما يعد همًّا قوميًّا يعنى به المشرع أيَّما كان موقعه على سلم التدرج التشريعي. ومن ثم فإن الدساتير غالباً ما تتضمن مبادئ وأهدافاً عامة تحث على الاهتمام بالرياضة والنشء والتربية كمبادئ عامة، تاركة تفصيل ذلك للقوانين أو للقرارات التي تتصدى لإنشاء المؤسسات أو اللجان أو المجالس أو الهيئات المهتمة بضبط إيقاع النشاط الرياضي على اختلاف مشاربه، ثم تأتي اللوائح التنفيذية لتتولى تفصيل ما أجمل، وتوضيح ما غمض، من غير تعديل أو تعطيل أو إعفاء من أي من نصوص الأدوات التشريعية الأعلى مرتبة، وتحت تلك المظلة التشريعية تستظل الأندية والروابط والاتحادات الرياضية واللجان الأولمبية وغيرها من مكونات هيكل النشاط الرياضي بالدولة، وكلما كانت تلك الاهتمامات التشريعية مواكبة للتطورات في عالم الرياضة وملبيةً لحاجات المخاطبين بتلك التشريعات كانت التشريعات أقرب إلى تحقيق مقاصدها العليا والحكمة التشريعية منها، وسارت دون تَعَثُّر في رحلة المقاصد القانونية المنشودة.