البريكسيت.. فرص اقتصادية للدول الأوروبية

طرح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الكثير من الفرضيات والتوقعات حول الفرص والمخاطر الاقتصادية وأثر هذا القرار المهم على الاقتصاد العالمي. فقد سعت الدول الأوروبية إلى استباق المخاطر من خلال إمكانية إرساء اتفاقيات تبادل حر بين بريطانيا وباقي الدول الأوروبية في مجموعة من القطاعات الاقتصادية لاستدراك خروج بريطانيا، حيث الفرص الاستثمارية ستزيد بفرنسا من خلال انتقال المدينة المالية من لندن إلى باريس، خاصة إذا توفرت لها الشروط القانونية والجبائية، وكذلك استفادة كل من إسبانيا وإيطاليا عبر تنشيط القطاع السياحي، ناهيك عن تطلع ألمانيا للاستحواذ على بعض القطاعات الإستراتيجية كالصناعة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات. وعلى سبيل المثال، بدأت الحكومة الفرنسية فعليا بإجراءات إدارية وتنظيمية وضريبية لجلب الاستثمارات، كما أرست مجموعة من المؤسسات لتقديم استشارات إدارية وقانونية ومرافقة المقاولات التي تود الاستقرار في فرنسا في ظل منافسة دول توصف بأنها فراديس ضرائبية كأيرلندا ولوكسمبورغ اللتين تقدمان تسهيلات ضريبية كبيرة قادرة على استيعاب الاستثمارات المالية الأوروبية. كما تهدف ألمانيا للاستفادة من البريكسيت عبر تأهيل مدينة فرانكفورت التي يوجد فيها مقر البنك المركزي الأوروبي لكي تصبح مركزا ماليا لمنافسة جنيف وباريس على استمالة الشركات والبنوك النازحة من السوق البريطانية. علاوة على الهامش التفاوضي الكبير الذي أصبحت تتوفر عليه ألمانيا في علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع بريطانيا، فألمانيا ثالث قوة اقتصادية تتوفر على مجال كبير للمناورة وفرض أولوياتها في علاقاتها ببريطانيا، فخمس إنتاج السيارات الألمانية يتم تصديره إلى المملكة المتحدة. وجدير بالذكر، أن شركة بي إم دبليو باعت نحو 236 ألف سيارة عام 2017 في بريطانيا، أي أكثر من 10 % من مبيعاتها حول العالم، في حين كانت هذه النسبة 8 % لدى شركة مرسيدس، وكانت 6 % لشركة فولكس فاجن، حسب رابطة شركات صناعة السيارات الألمانية. كما صدّرت شركات المنتجات الكيميائية الألمانية وخاصة شركات المستحضرات الصيدلانية والمواد الكيميائية المتخصصة ما قيمته 12.9 مليار يورو من المنتجات إلى بريطانيا، بالإضافة إلى أن بريطانيا هي رابع أكبر مشترٍ عالمياً للصادرات الألمانية في مجال التجهيزات الكهربائية، وقد صدّرت الشركات الألمانية العاملة في هذا المجال ما قيمته 9.9 مليار يورو إلى المملكة المتحدة. ويظهر أن الانعكاسات الاقتصادية للبريكسيت لا تتوقف عند هذا الحد، فالنقاش مستمر داخل أروقة الاتحاد الأوروبي عن كيفية استغلال هذا الحدث وجعل المنطقة الأوروبية قطبا استثماريا هاما في مواجهة بريطانيا التي يتبين أن نموها الاقتصادي يتراجع منذ إعلان خروجها من المنظومة الأوروبية.