في ظلِّ التغيُّرات الجديدة التي شهِدَها العالم في شتَّى المجالات، وما أحدثتْه ثورة التكنولوجيا والمعلومات من تطوُّر سريع وواسع النِّطاق، أصبحتْ فيه القُدرة على الإنتاج والتقدُّم تعتمد على القُدرة على الإبداع والابتِكار، وتحويل المعلومات إلى معرفة، ثم تحويل هذه المعرِفة إلى مُنتج متميِّز، حتى أصبح يُطلَق على هذا العصر عصرُ المعرفة. ويعرّف الاقتصاديون مفهوم «اقتصاد المعرفة» بالقدرة على استخدام المعرفة لإنتاج قيم مضافة، ملموسة أو غير ملموسة. إذاً لابد من الاعتماد في إنتاج تلك القيم الاقتصادية على القدرات البشرية ومدى تأهيلها العلمي والمعرفي لتحقيق تلك الأهداف. لذلك فالبلدان التي تملك كوادر بشرية مؤهلة تعليمياً في شكل جيد أو تملك يدا عاملة مدربة ومؤهلة مهنياً لابد من أن ترتقي قدراتها الإنتاجية وأن تتحسن درجة المنافسة لديها في أسواق التصدير. وفي الوقت ذاته لن تتمكن المنتجات المستوردة من الخارج من أن تنافس المنتجات المحلية، ولابد من أن يحقق الميزان التجاري وميزان المدفوعات لديها فوائض. ويستند الاقتصاد المعرفي إلى أربع ركائز أساسية هي: (1) الابتكار الذي يستند إلى البحث والتطوير من خلال نظام فعال يربط مؤسسات التعليم بالمؤسسات الصناعية بغية التطوير المستمر. (2) البنية التحتية المبنية على تقنيات المعلومات والاتصالات، والتي تسهل تجهيز المعلومات والمعارف ونشرها وتبادلها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية. (3) الحوافز التي تقوم على أسس اقتصادية قوية تستطيع توفير كل الأطر القانونية والسياسية التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية والنمو. (4) التعليم وهو العامل الأهم والأساسي في الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية. فالتقدم في اقتصادات المعرفة يتطلب إنفاقاً سخياً على البحوث والتطوير، وتتفاوت مستويات الإنفاق على البحوث والتطوير في البلدان، فإسرائيل، مثلاً، من أعلى البلدان إنفاقاً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي (4.2%)، فيما تأتي كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية بنسبة 3.7%، تليها اليابان (3.6%)، فالولايات المتحدة (2.7%). وثمة علاقة طردية بين الإنفاق على البحوث والتطوير وبين الأداء الاقتصادي. ولا يمكن اعتبار البلدان العربية من البلدان السخية في الإنفاق على المعرفة والعلم. وتأتي السعودية في المرتبة الأولى عربياً خلال عام 2014م والـ32 عالمياً وبنسبة 0.25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وبمقدار 1.8 بليون دولار سنوياً. أما بقية البلدان العربية فلا يصل إنفاق كل منها إلى بليون دولار سنوياً. وفي ظل الظروف التنافسية الجديدة الناتجة عن العولمة، يجب على الحكومات العربية أن تضع سياسات جديدة، تعزّز الابتكار، وتشجع المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة على بناء القدرات الابتكارية، وتزويدها بالخدمات المناسبة غير المتيسرة حالياً، كخدمات المجمعات الصناعية، والتدريب، والبحث التطبيقي، والمساعدة الفنية، ونشر المعلومات، ونقل التكنولوجيا، والأنظمة الإدارية، وخدمات أخرى، وينبغي استحداث هيئات الابتكار الوطنية بمشاركة ممثلين عن القطاع الخاص كجمعيات المنتجين، والمراكز التربوية، والمصارف المحلية، وغيرها، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في المنطقة العربية.