خلق الله الناس وميّزهم بالاختلاف، فلا الرجل كالمرأة ولا الطفل كالشيخ الكبير ولا العربي كالغربي، لكلٍ منهم طباعه وعاداته وتقاليده ولكل منهم بيئته وحياته، بل حتى وفي البلد أو المكان الواحد بل وفي داخل نفس البيت تجد لكل شخص طريقته الخاصة بالتفكير والقياس أو التقييم، فما تراه جميلا قد يراه أخوك عاديا، وما تظن أنه فرصة استثمارية حقيقية قد يخبرك جارك بأنه فخ كبير للخسارة، اختلافات جميلة ترسم لوحة رائعة اسمها الحياة، فما نفع اللون الأخضر ان كان وحيدا، وما نفع الشمس الصفراء ان لم تحضنها السماء الزرقاء، وكيف يكون اللون الأبيض الا نتيجة واضحة لوجود وامتزاج جميع الألوان المُختلفة، هذا الاختلاف وإن كان جميلا الا انه واقع حتمِي يضعنا في كثير من التناقضات والاختلافات، خاصة لو كان ما نقوم بتحليله هو بيانات ومعلومات لمنظمات أو شركات تعمل في قطاع الاعمال، فلو كنا قد اتفقنا أن لكل شخص طريقته ولكل خبير محاسبي قواعِده، فكيف يُمكِننا حينها تقييم الشركات ومُقارنة أرباحها وأدائها التشغيلي من وجهة نظر واحِدة، بل كيف يُمكِننا التأكد من أن تلك البيانات الموجودة في قوائمها المالية هي بيانات حقيقية لم يتم التلاعب بها؟ ولم يتم تغيير طريقة تسجيلها عمدا أو دون قصد؟ وفي حال اختلاف الآراء والتقييمات فكيف يُمكِنني اختيار اكثرها صِحة؟ كل هذه الأسئلة دفعت بالخبراء المُحاسبين والمدراء القائمين على كبرى الشركات في العالم للاتفاق على مجموعة مُحدّدة من القواعد والقوانين يتم العمل من خلالها وهو ما يسمح بتوحيد طريقة التعامل الأساسية مع الأحداث والتغيرات المالية والمحاسبية للشركات، هذه القواعد هي ما تم تسميته لاحقا باسم "معايير المحاسبة الدولية"، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي معايير المحاسبة الدولية؟ وكيف ظهرت؟ وما هي أهميتها وأهدافها؟ وهل يُمكن للشركة أن تُقرر عدم التقيُّد بها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان المعايير المحاسبية الدولية هي مجموعة محددة من المعايير والقوانين التي تُقدِّم نموذجا أو قواعد إرشادية لعرض الحسابات المالية بالطريقة التي وضعها مجلس معايير المحاسبة الدولية منذ عام 2001، وتم إصدارها تحت اسم " المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية " وبالتالي فهي عبارة عن مبادئ وقواعد دولية لعرض الحسابات المالية، تم إنشاؤها وإصدارها من قبل مجلس إدارة لجنة معايير المحاسبة الدولية ( (IASC، والتي تم وضعها لتقديم المشورة للشركات حول كيفية الإبلاغ عن الأحداث المالية في البيانات المالية، عِلما أنه في عام 2001 تم تطوير مجموعة من المعايير الجديدة والتي يُشار إليها باسم المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية والتي تم إصدارها من قِبل مجلس معايير المحاسبة الدولية (IASB) ومقرّه لندن و يتكون من 15 عضو من 9 دول، وهو وبالرغم من سُلطته تلك في وضع المعايير الا انه ليس لديه أي سُلطة في ما إذا كانت الشركات ستتبنى هذه المعايير أم لا، فالامتثال للمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية مطلوب ومسموح به في أكثر من 140 دولة حول العالم بما في ذلك عبر الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك فهناك دول أو ولايات لم يتم فيها قبول المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، وهذا يشمل الصين واليابان والولايات المتحدة الأمريكية (التي تطبِّق مبادئ مُختلفة يُطلق عليها اسم "مبادئ المحاسبة المقبولة عمومًا" ويتم اختصارها بالرمز (GAAP). ومما هو جدير بالذكر أن فكرة معايير المحاسبة الدولية ليست قديمة جدا حيث بدأت الحاجة إلى هذه المعايير منذ خمسينيات القرن الماضي، وذلك بسبب الأحوال الاقتصادية التي تلت الحرب العالمية الثانية من زيادة تدفق رؤوس الأموال عبر الدول والحدود، حيث ركّزت الجهود والمبادرات الأولية على تقليل الاختلاف بين الخبراء حول معايير المحاسبة المُنتشرة بين المُحاسبين، ثم جاءت حقبة الستينيات بدعوات إلى ضرورة وجود معايير موحدة، ثم في فترة السبعينات والثمانينات تم تشكيل لجنة دولية لوضع المعايير، تلتها فترة التسعينات من خلال إعادة تشكيل هذه اللجنة، ثم جاء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين حيث تم تطوير هذه المبادئ من خلال الاتفاق على مجموعة من المعايير الجادة التي يمكن تطبيقها على جميع أسواق رأس المال والعمل في العالم وذلك للوصول الى الهدف الأساسي من وجودها وهو إعداد قوائم مالية جادة ومحايدة تُعبِّر عن حقيقة وضع الشركة المالي، على ان يتم ذلك عبر تحديد طرق مناسبة لقياس المعلومات والقضاء على أي اختلافات في وجهات النظر، بحيث يصبح اتخاذ القرارات بناء لهذه المعايير وبعيدا عن المصالح والأهواء الشخصية لتوفير نتائج تحليلية صادقة للمستثمرين ومستخدمي القوائم المالية، وهو ما يُساعد بدورِه على التأكُد من مصداقية وصِحة البيانات اللازمة لإعداد التقارير والقوائم المالية وبالتالي إجراء مقارنات بين أعمال ونتائج الشركات والمؤسسات المُختلِفة لتقييم أدائها وبالتالي معرفة وضع هذه الشركة وترتيبها بين الشركات. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن وجود معايير مُوحّدة للتسجيل المالي والمُحاسبي للشركات هو ضرورة قُصوى لا يُمكِن إغفالها، فحتى وإن لم تكن هذه المعاير مُلزِمة بالقانون إلا أنها شرط أساسي لاعتماد أي من القوائم المالية لدى البنوك والمصالح الحكومية والضريبية بل وحتى للموردين والمُستثمرين، وهو ما يعطي الفُرصة لمن هم لا يجيدون العمل المُحاسبي بضمان حد أدنى من المِصداقِية والصواب، وهو الهدف الأهم لوجود هذه المعايير والمقاييس، عِلما بأن متابعة وتطوير هذه القوانين هو العنصر الأهم والأبرز للحفاظ عليها، وهنا أستذكر مقولة "جان جاك روسو" الذي يقول "القوانين الجيدة تؤدي لخلق قوانين أفضل، والقوانين السيئة تؤدي إلى قوانين أسوأ".