مضى على إنشاء منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ما يقارب من 66عاما، فقد تم الإعلان عن قيام المنظمة في بغداد في سنة 1960، بمبادرة من المملكة العربية السعودية، إيران، العراق، الكويت وفنزويلا، وحدد مقرّها في فيينا، وقد انضمت تسع دول أخرى فيما بعد، فأصبح عدد أعضائها اثنتي عشرة دولة، وتملك هذه الدّول 40% من الناتج العالمي و80% من الاحتياطي العالمي للنّفط، وبالرغم من أنّ اللّغة الرّسمية لأغلبية الدّول الأعضاء وعددها سبع هي العربية، إلا أنّ اللّغة الرسمية المقررة للأوبك الإنجليزية، ويعزى السبب الرئيسي لقيام المنظمة هو (التكتل في مواجهة شركات النفط الكبرى، وللسيطرة بشكل أكبر على أسعار البترول وترتيبات الإنتاج) وذلك وسط ظروف وتحديات سياسية واقتصادية ارتبطت بوقتها. وقد تمكنت (أوبك) على مدى عقود من الحفاظ على توازن أسعار النفط وعلى الاتفاق على خفض الإنتاج كلما كان ذلك ضروريا لكبح جماح هبوط أسعار الطاقة في الأسواق العالمية والحفاظ على مصالح المنتجين الاقتصادية، وبرزت قوة أوبك الاقتصادية وقدرتها على التحكم في النفط عندما اتفقت السعودية وإيران وباقي الأعضاء في المنظمة على استخدام النفط كسلاح في أعقاب حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل، وذلك بالعمل على تخفيض إنتاج النفط وصادراته، وقطع الإمدادات عن الدول التي وقفت مع إسرائيل وفي مقدمتها بالطبع الولايات المتحدة. وفي عام 1976، وفي خطوة أخرى توثق لإنجازات منظمة أوبك المهمة فقد اتفق وزراء مالية الدول الأعضاء في باريس على إنشاء صندوق أوبك للتنمية الدولية الذي قدم مساعدات لأكثر من مائة دولة منذ ذلك الاتفاق. وابتداء من عام 1983، انتهجت أوبك سياسة جديدة تقوم على (تحديد سقف إنتاجي معين لا يجوز للدول الأعضاء تجاوزه، مع توزيع الحصص الإنتاجية وفقا لهذا السقف على الدول الأعضاء وحسب الطاقة الإنتاجية المتاحة لكل منها). مياه كثيرة جرت في السواقي منذ ذلك الزمن، شهد العالم فيه الكثير من المتغيرات والمستجدات، سقطت نظم وأفلت حكومات واندلعت حروب وصراعات، تفتتت دول وتلاشت قوى كبرى وانتعشت وقامت على أنقاضها أخرى وغادرت منظمة اوبك دول أعضاء بسبب تراجع انتاجها بشكل كبير (اندونيسيا – الجابون)... تطورت الحياة واختلفت الكثير من المفاهيم السياسية والاقتصادية وتشابكت وتداخلت المصالح. وفي ظل كل الأحداث التي شهدها العالم مرت أسعار النفط بمتغيرات لم تكن بمنأى عنها أو بعيدة عن تأثيراتها، ولكنها كانت أقرب إلى التماسك والانتعاش. وبعد ازدهار الأسعار التي تجاوزت المئة دولار خلال السنوات القليلة الماضية بدأ المنحى يأخذ سلوكا عكسيا على مدى أكثر من عام ليصل في بداية هذا العام 2016 إلى نهاية الثلاثينيات، فتضررت من جراء ذلك اقتصاديات الدول المنتجة والمعتمد اقتصادها على النفط ومن بينها دول الخليج العربي. ومع المبادرات التي تطلق من هنا وهناك، كان آخرها المبادرة القطرية بتجميد انتاج النفط عند مستويات يناير 2016 من داخل منظمة الدول المنتجة للنفط (اوبك) وخارجها والتي أيدتها نحو 15 دولة تنتج ما يقارب من 73% من الانتاج العالمي، تبدو أن التحديات كبيرة، وفرص الاتفاق على خفض الإنتاج أو الالتزام بمبدأ عام يقر من كل أو بعض الدول المنتجة تكتنفه العديد من التحديات، من أبرزها الخلافات السياسية الحادة بين بعض الدول، واستخدام الاقتصاد وفي مقدمته النفط كورقة ضاغطة تستخدم ضد هذه الدولة أو تلك، وفي المقابل لم تتمكن (أوبك) من القيام بأية خطوات عملية ناجحة لوقف تدهور أسعار النفط، ويمكن أن تكون المبادرة القطرية قد أسهمت في استقرار أسعار النفط عند منتصف الثلاثين دولارا ووقف تدهورها، وتقدم المبادرة فرصة أخيرة ستهدرها الدول المنتجة للنفط إن لم تتمكن من الاتفاق والالتزام بتجميد الانتاج الذي يأتي لخدمة مصالحها. هذه الظروف الاقتصادية القاتمة التي تعيشها الدول المنتجة للنفط والمعتمد اقتصادها على ايراداته والذي يؤثر دون شك على الحياة الاجتماعية للمواطن، وعلى حالة الازدهار التي عاشها خلال سنوات انتعاش الأسعار، تفرض على هذه الدول مواصلة النقاشات والحوارات وأوجه التنسيق والتعاون للخروج برؤية متكاملة لمشروع جديد ومظلة أكثر تطورا والتزاما تضم في بوتقتها جميع الدول الأساسية المنتجة للنفط يحكمها نظام قانوني صارم يفصل بين الخلافات السياسية والمصالح الاقتصادية ويحرم تأثير الأولى على الثانية، هدفها الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وضمان الابقاء على الحياة الاجتماعية التي يعيشها المواطن والحرص على ألا تمس حقوقه ومكاسبه الأساسية.